الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٨٥ - غزوة الأحزاب
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً [الأحزاب: ١٢، ١٣].
أما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع و مكث طويلا، حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «اللّه أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح اللّه و نصره» ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن، و كجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة، لئلا يؤتى الذراري و النساء على غرة، و لكن كان لا بد من إقدام حاسم، يفضي إلى تخاذل الأحزاب، و تحقيقا لهذا الهدف أراد أن يصالح عيينة بن حصن و الحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما، و يخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة على قريش التي اختبروا مدى قوتها و بأسها مرارا، و جرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا:
يا رسول اللّه إن كان اللّه أمرك بهذا فسمعا و طاعة، و إن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن و هؤلاء القوم على الشرك باللّه و عبادة الأوثان، و هم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا اللّه بالإسلام، و هدانا له، و أعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ و اللّه لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب رأيهما و قال: «إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة».
ثم إن اللّه عز و جل- و له الحمد- صنع أمرا من عنده خذل به العدو، و هزم جموعهم، و فل حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلا من غطفان يقال له نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي- رضي اللّه عنه- جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إني قد أسلمت، و إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة» فذهب من فوره إلى بني قريظة- و كان عشيرا لهم في الجاهلية- فدخل عليهم و قال: قد عرفتم ودي إياكم، و خاصة ما بيني و بينكم، قالوا: صدقت. قال: فإن قريشا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم و أبناؤكم و نساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، و إن قريشا و غطفان قد جاءوا لحرب محمد و أصحابه، و قد ظاهرتموهم عليه، و بلدهم و أموالهم و نساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، و إلا لحقوا ببلادهم و تركوكم و محمدا فانتقم منكم، قالوا فما العمل يا نعيم؟
قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي.