الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٨٢ - غزوة الأحزاب
كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): و أنا و اللّه ما صليتها، فنزلنا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بطحان، فتوضأ للصلاة و توضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب [١].
و قد استاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين، ففي البخاري عن علي عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال يوم الخندق: «ملأ اللّه عليهم بيوتهم و قبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» [٢].
و في مسند أحمد و الشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء، فصلاهن جميعا. قال النووي: و طريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام، و هذا في بعضها. انتهى [٣].
و من هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين، و المكافحة المتواصلة من المسلمين دامت أياما، إلا أن الخندق لما كان حائلا بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر و حرب دامية، بل اقتصروا على المراماة و المناضلة.
و في هذه المراماة قتل رجال من الجيشين، يعدون على الأصابع ستة من المسلمين و عشرة من المشركين، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف.
و في هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي اللّه عنه بسهم فقطع منه الأكحل، رماه رجل من قريش يقال له حبان العرقة، فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك و أخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا و بينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم، حتى أجاهدهم فيك، و إن كنت وضعت الحرب فافجرها و اجعل موتتي فيها [٤]. و قال في آخر دعائه: و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة [٥].
و بينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدس و التامر تتقلب في جحورها، تريد إيصال السم داخل أجسادهم. انطلق كبير مجرمي بني
[١] صحيح البخاري ٢/ ٥٩٠.
[٢] نفس المصدر.
[٣] مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص ٢٨٧، و شرح مسلم للنووي ١/ ٢٢٧.
[٤] صحيح البخاري ٣/ ٥٩١.
[٥]