الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٦٦ - بعث الرجيع
غدروا بهم و ربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، و أبى أن يصحبهم، فجرروه و عالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، و انطلقوا بخبيب و زيد فباعوهما بمكة، و كانا قتلا من رءوسهم يوم بدر، فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلاهما، فلما سلم قال: و اللّه لو لا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تبق منهم أحدا، ثم قال:
لقد أجمع الأحزاب حولي و ألبوا* * * قبائلهم و استجمعوا كل مجمع
و قد قربوا أبناءهم و نساءهم* * * و قربت من جذع طويل ممنع
إلى اللّه أشكو غربتي بعد كربتي* * * و ما جمع الأحزاب لي عند مضجعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي* * * فقد بضعوا لحمي و قد بؤس مطمعي
و قد خيروني الكفر و الموت دونه* * * فقد ذرفت عيناي من غير مدمع
و لست أبالي حين أقتل مسلما* * * على أي شق كان في اللّه مضجعي
و ذلك في ذات الإله و إن يشأ* * * يبارك على أوصال شلو ممزع
فقال له أبو سفيان: أ يسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه، و أنك في أهلك؟ فقال: لا و اللّه ما يسرني أني في أهلي و أن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه.
ثم صلبوه و وكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بخدعة ليلا، فذهب به فدفنه، و كان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث و كان خبيب قد قتل أباه حارثا يوم بدر.
و في الصحيح أن خبيبا أول من سن الركعتين عند القتل، و أنه رئي و هو أسير يأكل قطفا من العنب، و ما بمكة تمرة.
و أما زيد بن الدثنة فأتبعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.
و بعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه- و كان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر- فبعث اللّه عليه مثل الظلة من الدبر- الزنابير- فحمته من رسلهم؛ فلم يقدروا منه على شيء. و كان عاصم أعطى اللّه عهدا أن لا يمسه مشرك، و لا يمس مشركا، و كان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ اللّه العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته [١].
[١] ابن هشام ٢/ ١٦٩ إلى ١٧٩، و زاد المعاد ٢/ ١٠٩، صحيح البخاري ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٨٥.