الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢١٦ - الحصار ثم التسليم ثم الجلاء
فلما فتح اللّه للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم، و توسعوا في تحرشاتهم و استفزازاتهم، فكانوا يثيرون الشغب، و يتعرضون بالسخرية، و يواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين، حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم.
و عند ما تفاقم أمرهم و اشتد بغيهم، جمعهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فوعظهم و دعاهم إلى الرشد و الهدى، و حذرهم مغبة البغي و العدوان، و لكنهم ازدادوا في شرهم و غطرستهم.
روى أبو داود و غيره، عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: لما أصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قريشا يوم بدر، و قدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع. فقال: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا». قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، و أنك لم تلق مثلنا. فأنزل اللّه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٢، ١٣] [١].
كان معنى ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر بالحرب، و لكن كظم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) غيظه، و صبر و صبر المسلمون، و أخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالي.
و ازداد اليهود- من بني قينقاع- جراءة، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقا و اضطرابا، و سعوا إلى حتفهم بظلفهم، و سدوا على أنفسهم أبواب الحياة.
روى ابن هشام عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته، في سوق بني قينقاع، و جلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها- و هي غافلة- فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله- و كان يهوديا- فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم و بين بني قينقاع [٢].
الحصار ثم التسليم ثم الجلاء
و حينئذ عيل صبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر،
[١] سنن أبي داود مع عون المعبود ٣/ ١١٥، ابن هشام ١/ ٥٥٢.
[٢] ابن هشام ٢/ ٤٧، ٤٨.