الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٠١ - من روائع الإيمان في هذه المعركة
و بعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، و جاء به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه، هذا رأس عدو اللّه أبي جهل، فقال: «اللّه الذي لا إله إلا هو؟» فرددها ثلاثا، ثم قال: «اللّه أكبر، الحمد للّه الذي صدق وعده، و نصر عبد، و هزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه، فانطلقنا فأريته إياه، فقال: هذا فرعون هذه الأمة».
من روائع الإيمان في هذه المعركة:
لقد أسلفنا نموذجين رائعين من عمير بن الحمام و عوف بن الحارث- ابن عفراء- و قد تجلت في هذه المعركة مناظر رائعة، تبرز فيها قوة العقيدة و ثبات المبدأ، ففي هذه المعركة التقى الآباء بالأبناء، و الأخوة بالأخوة، خالفت بينهما المبادئ، ففصلت بينهما السيوف، و التقى المقهور بقاهره، فشفي منه غيظه.
١- روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله، و من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، و من لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أ نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و عشيرتنا و نترك العباس، و اللّه لئن لقيته لألحمنه- أو لأجمنه- بالسيف، فبلغت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص، أ يضرب وجه عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالسيف؟!» فقال عمر: يا رسول اللّه، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فو اللّه لقد نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، و لا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدا.
٢- و كان النهي عن قتل أبي البختري، لأنه كان أكف القوم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بمكة، و كان لا يؤذيه و لا يبلغ عنه شيء يكرهه، و كان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم و بني المطلب.
و لكن أبا البختري قتل على رغم هذا كله، و ذلك أن المجذر بن زياد البلوي لقيه في المعركة، و معه زميل له، يقاتلان سويا، فقال المجذر: يا أبا البختري إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد نهانا عن قتلك، فقال: و زميلي؟ فقال المجذر: لا و اللّه ما نحن بتاركي زميلك، فقال: و اللّه إذن لأموتن أنا و هو جميعا، ثم اقتتلا، فاضطر المجذر إلى قتله.