الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٨٣ - ٨- سرية نخلة
أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ الآية [محمد: ٢٠].
و إيجاب القتال و الحض عليه، و الأمر بالاستعداد له هو عين ما كانت تقتضيه الأحوال، و لو كان هناك قائد يسير أغوار الظروف لأمر جنده، بالاستعداد لجميع الطوارئ، فكيف بالرب العليم المتعال، فالظروف كانت تقتضي عراكا داميا بين الحق و الباطل، و كانت وقعة سرية عبد اللّه بن جحش ضربة قاسية على غيرة المشركين و حميتهم، آلمتهم، و تركتهم يتقلبون على مثل الجمر.
و آيات الأمر بالقتال تدل بفحواها على قرب العراك الدامي، و أن النصر و الغلبة فيه للمسلمين نهائيا، انظر كيف يأمر اللّه المسلمين بإخراج المشركين من حيث أخرجوهم، و كيف يعلمهم أحكام الجند المتغلب في الأسارى، و الإثخان في الأرض، حتى تضع الحرب أوزارها، هذه كلها إشارة إلى غلبة المسلمين نهائيا. و لكن ترك كل ذلك مستورا، حتى يأتي كل رجل بما فيه من التحمس في سبيل اللّه.
و في هذه الأيام- في شعبان سنة ٢ ه/ فبراير ٦٢٤ م- أمر اللّه تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، و أفاد ذلك أن الضعفاء و المنافقين من اليهود الذين كانوا قد دخلوا في صفوف المسلمين لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين، و رجعوا إلى ما كانوا عليه، و هكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر و الخيانة.
و في تحويل القبلة إشارة لطيف إلى بداية دور جديد، لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم، و إن كانت بأيديهم فلا بد من تخليصها يوما ما.
و بعد هذه الأوامر و الإشارات زاد نشاط المسلمين، و اشتدت نزعاتهم إلى الجهاد في سبيل اللّه و لقاء العدو في معركة فاصلة.