الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٨١ - ٨- سرية نخلة
و سار عبد اللّه بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا و أدما و تجارة و فيها عمرو بن الحضرمي و عثمان و نوفل ابنا عبد اللّه بن المغيرة و الحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون و قالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، و إن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، و أسروا عثمان و الحكم، و أفلت نوفل، ثم قدموا بالعير و الأسيرين إلى المدينة، و قد عزلوا من ذلك الخمس، و هو أول خمس كان في الإسلام، و أول قتيل في الإسلام، و أول أسيرين في الإسلام.
و أنكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما فعلوه، و قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، و وقف التصرف في العير و الأسيرين.
و وجد المشركون فيما حدث فرصة لإتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم اللّه، و كثر في ذلك القيل و القال، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل، و أن ما عليه المشركون أكبر و أعظم مما ارتكبه المسلمون ...
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧].
فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام، و اضطهاد أهله، أ لم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم و قتل نبيهم؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قد استها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة و شناعة؟ لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرها المشركون دعاية تبتني على وقاحة و دعارة.
و بعد ذلك أطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سراح الأسيرين، و أدى دية المقتول إلى أوليائه [١].
تلكم السرايا و الغزوات قبل بدر، لم يجر في واحدة منها سلب الأموال و قتل الرجال،
[١] أخذنا تفاصيل هذه السرايا و الغزوات من زاد المعاد ٢/ ٨٣، ٨٤، ٨٥، و ابن هشام ١/ ٥٦١ إلى ٦٠٥، و رحمة للعالمين ١/ ١١٥، ١١٦، ٢/ ٢١٥، ٢١٦، ٤٦٨، ٤٦٩، ٤٧٠ و في المصادر اختلاف في ترتيب هذه الغزوات و السرايا، و في تعيين عدد الخارجين فيها- و اعتمدنا في ذلك على تحقيق العلامة ابن القيم و العلامة المنصور فوري.