الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٦٥ - المرحلة الأولى الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة
و هذه أول تجربة تلقاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من اليهود، في أول يوم دخل فيه المدينة.
هذا كله من حيث الداخلية، و أما من حيث الخارجية، فإن ألد قوة ضد الإسلام هي قريش، كانت قد جربت منذ عشرة أعوام- حينما كان المسلمون تحت يديها- كل أساليب الإرهاب و التهديد و المضايقة و سياسة التجويع و المقاطعة، و أذاقتهم التنكيلات و الويلات، و شنت عليهم حربا نفسية مضنية مع دعاية واسعة منظمة، ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة صادرت أرضهم و ديارهم و أموالهم، و حالت بينهم و بين أزواجهم و ذرياتهم، بل حبست و عذبت من قدرت عليه، ثم لم تقتصر على هذا، بل تامرت على الفتك بصاحب الدعوة (صلّى اللّه عليه و سلم) و القضاء عليه، و على دعوته، و لم تأل جهدا في تنفيذ هذه المؤامرة. و بعد هذا كله- لما نجا المسلمون إلى أرض تبعد عنها خمسمائة كيلو مترا- قامت بدورها السياسي لما لها من الصدارة الدنيوية و الزعامة الدينية بين أوساط العرب، بصفتها ساكنة الحرم و مجاورة بيت اللّه و سدنته، فأغرت غيرها من مشركي الجزيرة ضد أهل المدينة، حتى صارت المدينة في شبه مقاطعة شديدة، قلت مستورداتها، في حين كان عدد اللاجئين يزيد يوما فيوما. إن «حالة الحرب» قائمة يقينا بين هؤلاء الطغاة من أهل مكة و بين المسلمين في وطنهم الجديد، و من السفه تحميل المسلمين أوزار هذا الخصام [١].
كان حقا للمسلمين أن يصادروا أموال هؤلاء الطغاة، كما صودرت أموالهم، و أن يدالوا عليهم من التنكيلات بمثل ما أدالوا بها، و أن يقيموا في سبيل حياتهم العراقيل كما أقاموا في سبيل حياة المسلمين، و أن يكال لهؤلاء الطغاة صاعا بصاع، حتى لا يجدوا سبيلا لإبادة المسلمين، و استئصال خضرائهم.
هذه هي القضايا و المشاكل التي كان يواجهها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين ورد المدينة بصفته رسولا هاديا و إماما قائدا.
و قد قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بدور الرسالة و القيادة في المدينة، و أدلى إلى كل قوم بما كانوا يستحقونه من الرأفة و الرحمة أو الشدة و النكال- و لا شك أن الرحمة كانت غالبة على الشدة و العنت- حتى عاد الأمر إلى الإسلام و أهله في بضع سنوات، و سيجد القارئ كل ذلك جليا في الصفحات الآتية:
[١] الكلمة الأخيرة لمحمد الغزالي في فقه السيرة ص ١٦٢.