الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٢٦ - ٦- و قيل قبل الهجرة بسنة
فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي- انتهى [١].
ثم ذكر ابن القيم خلافا في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلم) ربه تبارك و تعالى، ثم ذكر كلاما لابن تيمية.
بهذا الصدد، و حاصل البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلا و هو قول لم يقله أحد من الصحابة. و ما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقا و رؤيته بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني.
ثم قال: و أما قوله تعالى في سورة النجم: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [النجم: ٨] فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل، و تدليه، كما قالت عائشة و ابن مسعود، و السياق يدل عليه، و أما الدنو و التدلي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك و تعالى و تدليه، و لا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. و هذا هو جبريل، رآه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) على صورته مرتين:
مرة في الأرض، و مرة عند سدرة المنتهى. و اللّه أعلم [٢] انتهى.
و قد وقع حادث شق صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) هذه المرة أيضا، و قد رأى ضمن هذه الرحلة أمورا عديدة:
عرض عليه اللبن و الخمر، فاختار اللبن، فقيل: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
و رأى أربعة أنهار في الجنة: نهران ظاهران، و نهران باطنان، و الظاهران هما: النيل و الفرات، و معنى ذلك أن رسالته ستتوطن الأودية الخصبة في النيل و الفرات، و سيكون أهلها حملة الإسلام جيلا بعد جيل، و ليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة.
و رأى مالك خازن النار، و هو لا يضحك، و ليس على وجهه بشر و بشاشة، و كذلك رأى الجنة و النار.
و رأى أكلة أموال اليتامى ظلما لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعا من نار كالأفهار، فتخرج من أدبارهم.
و رأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة، لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم، و يمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطئونهم.
[١] زاد المعاد ٢/ ٤٧، ٤٨.
[٢] زاد المعاد ٢/ ٤٧، ٤٨، و انظر صحيح البخاري ١/ ٥٠، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٧٠، ٤٧١، ٤٨١، ٥٤٨، ٥٤٩، ٥٥٠، ٢/ ٦٨٤، و صحيح مسلم ١/ ٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٤، ٩٥، ٩٦.