الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٣٥٧
و أخرج ابن عساكر، من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) فبسطت ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئا بعد. هذا مختصر مما قبله.
و وقع لي بيان ما كان حدّث به النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) في هذه القصة إن ثبت الخبر،
فأخرج أبو يعلى، من طريق أبي سلمة: جاء أبو هريرة فسلّم على النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) في شكواه يعوده، فأذن له فدخل فسلم و هو قائم، و النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) متساند إلى صدر عليّ، و يده على صدره ضامّة إليه، و النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) باسط رجليه، فقال: «ادن يا أبا هريرة». فدنا، ثم قال: «ادن يا أبا هريرة»، ثم قال: «ادن يا أبا هريرة» فدنا، حتى مسّت أطراف أصابع أبي هريرة أصابع النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم)، ثم قال له: «اجلس». فجلس، فقال له: «ادن منّي طرف ثوبك». فمدّ أبو هريرة ثوبه فأمسك بيده ففتحه و أدناه من النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم)، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم): «أوصيك يا أبا هريرة بخصال لا تدعهنّ ما بقيت». قال: أوصني ما شئت. فقال له: «عليك بالغسل يوم الجمعة، و البكور إليها، و لا تلغ، و لا تله، و أوصيك بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، فإنّه صيام الدّهر، و أوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما، و إن صلّيت اللّيل كلّه فإنّ فيهما الرّغائب»- قالها ثلاثا، ثم قال: «ضمّ إليك ثوبك». فضمّ ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول اللَّه، بأبي و أمي! أسرّ هذا أو أعلنه؟
قال: «أعلنه يا أبا هريرة» [١]- قالها ثلاثا.
و الحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبويّة في عصره.
و قال طلحة بن عبيد اللَّه: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) ما لم نسمع.
و قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني و أعلم بما يحدث.
و أخرج النّسائيّ بسند جيد في العلم من كتاب السنن- أنّ رجلا جاء إلى زيد بن ثابت، فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإنّي بينما أنا و أبو هريرة و فلان في المسجد ندعو للَّه و نذكره إذ خرج علينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) حتى جلس إلينا، فقال: «عودوا للّذي كنتم فيه» [٢] قال زيد: فدعوت أنا و صاحبي، فجعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) يؤمّن على دعائنا، و دعا أبو هريرة، فقال:
«إنّي أسألك ما سأل صاحباك، و أسألك علما لا ينسى». فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم): «آمين».
فقلنا: يا رسول اللَّه، و نحن نسألك علما لا ينسى، فقال: «سبقكم بها الغلام الدّوسي».
[١] أورده المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم ٤٣٤١٢، ٤٣٤٨٦ و عزاه لأبي يعلى عن أبي هريرة.
[٢] أخرجه الحاكم ٣/ ٥٠٨، و ذكره الهيثمي في المجمع ٩/ ٣٦١.