الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ١٩٩
و من طريق محمّد بن زكريّا الغلابيّ، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة، و هو شيخ قد عمي، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم): ألا تركت الشيخ حتى آتيه [١]. قال: أردت أن يأجره اللَّه، و الّذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك.
و أسانيد هذه الأحاديث واهية، و ليس المراد بقوله في الحديث الأخير إثبات إسلام أبي طالب،
فقد أخرج عمر بن شبة في كتاب مكة، و أبو يعلى، و أبو بشر سمويه في فوائده، كلهم من طريق محمّد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن محمّد بن سيرين، عن أنس في قصة إسلام أبي قحافة، قال: فلما مدّ يده يبايعه بكى أبو بكر، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم): «ما يبكيك؟» قال: لأن تكون يد عمك مكان يده و يسلم و يقرّ اللَّه عينك أحبّ إليّ من أن يكون.
و سنده صحيح. و أخرجه الحاكم من هذا الوجه، و قال: صحيح على شرط الشيخين، و على تقدير ثبوتها فقد عارضها ما هو أصحّ منها.
أما الأول
ففي الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبيه- أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم)، و عنده أبو جهل، و عبد اللَّه بن أبي أمية، فقال: «يا عمّ، قل لا إله إلا اللَّه كلمة أحاج لك بها عند اللَّه». فقال له أبو جهل، و عبد اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب، أ ترغب عن ملّة عبد المطلب، فلم يزالا به حتى قال آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم): «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك» [٢].
فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] الآية. و نزلت:
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦].
فهذا هو الصحيح برد الرواية التي ذكرها ابن إسحاق، إذ لو كان قال كلمة التوحيد ما نهى اللَّه تعالى نبيّه عن الاستغفار له.
و هذا الجواب أولى من قول من أجاب بأن العباس ما أدّى هذه الشهادة و هو مسلم، و إنما ذكرها قبل أن يسلم، فلا يعتد بها، و قد أجاب الرافضيّ المذكور عن قوله: و هو على
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٥/ ٣٣٤ و الطبراني في الكبير ٩/ ٢٩.
و أورده الهيثمي في الزوائد ٦/ ١٧٧ و قال رواه الطبراني و البزار و فيه موسى بن عبيدة و هو ضعيف.
[٢] أخرجه البخاري في الصحيح ٥/ ٦٦، ٦/ ١٤١، و أحمد في المسند ٥/ ٤٣٣ و الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٣٦ و قال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه فإن يونس و عقيلا أرسلاه و وافقه الذهبي و البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٣٤٣.