مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - ٣٩ سورة الزمر
أفضل من الاخرى والمتماثل من حيث اللطف والجمال والعمق في البيان.
وهذا بالضبط على عكس العبارات التي يصوغها الإنسان، والتي مهما اعتنى بصياغتها فإنّها لن تخلو من الاخطاء والاختلافات والتناقضات، ودراسة آثار الكتّاب الكبار المعروفين في مجالي النثر والشعرهي خير شاهد على هذا الموضوع. أمّا الخاصية الثانية فهي: «مَّثَانِىَ»- أي المكرر- وهذه الكلمة تشير إلى تكرار بحوثه المختلفة وقصصه ومواعظه، التكرار الذي لا يملّ منه الإنسان، وإنّما على العكس من ذلك، إذ يتشوّق لتلاوته أكثر، وهذه إحدى اسس الفصاحة.
أمّا الخاصية الثالثة فهي: «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ». وهذه الخاصية للقرآن فتتجلّي في مسألة نفوذه وتأثيره العميقين والخارقين في اعماق النفوس؛ «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ».
إنّه لوصف وتجسيد لطيف وجميل لنفوذ آيات القرآن العجيب إلى أعماق القلوب، إذ أنّه في بداية الأمر يبعث في القلب شيئاً من الخوف والرهبة، الخوف الذي يكون أساساً للصحوة ولبدء الحركة، والرهبة التي تجعل الإنسان يتحسس مسؤولياته المختلفة، ثم تأتي مرحلة الهدوء وقبول آيات اللَّه وتتبعها السكينة والإستقرار.
في تفسير مجمع البيان روي عن العباس بن عبد المطلب أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال:
«إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية اللَّه، تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها».
وفي نهاية الآية يقول تعالى بعد أن بيّن تلك الخصائص: «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ».
حقاً إنّ القرآن نزل لهداية الجميع، لكن المتقين وطلّاب الحق والحقيقة هم المستفيدون- فقط- من نوره، أمّا اولئك الذين تعمّدوا إغلاق كافة نوافذ قلوبهم أمام نور القرآن الكريم، والذين تتحكم بأرواحهم ظلمات التعصب والعناد- فقط- لا يستفيدون من نور القرآن، وإنّما يزدادون ضلالة من جرّاء عنادهم وعدائهم، لذلك فإنّ تتمة الآية تقول: «وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ».
فهذه الضلالة هي التي يضع الإنسان حجر أساسها بيده، ويحكم بناء أساسها بواسطة أعماله الخاطئة والسيئة، ولذلك لا تتنافى اطلاقاً مع إرادة الإنسان وحريته.
الآية التالية
تقارن بين مجموعة من الظالمين والمجرمين، ومجموعة من المؤمنين الذين