مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - ٣٢ سورة السجدة
الآفاقية عن عدة أقسام للتوحيد، فإنّه يتحدث هنا عن عدة مواهب عظيمة في مورد البشر: يقول أوّلًا: «وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسنِ مِن طِينٍ». ليبيّن عظمة وقدرة اللَّه سبحانه، هذا من جانب، ومن جانب آخر يحذّر الإنسان ويذكّره من أين أتيت، وإلى أين ستذهب؟!
ومن المعلوم أنّ هذه الآية تتحدث عن خلق آدم، لا كل البشر، لأنّ استمرار نسله قد ذكر في الآية التالية، وظاهر هذه الآية دليل واضح على خلق الإنسان بشكل مستقل، قد تمّ من الطين مباشرة وبدون واسطة.
ثم تشير
الآية بعدها
، إلى خلق نسل الإنسان، وكيفية تولد أولاد آدم في مراحل، فتقول:
«ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِّن سُللَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ».
«جعل»: هنا بمعنى الخلق؛ و «النسل»: بمعنى الأولاد والأحفاد في جميع المراحل.
«السلالة»: في الأصل، بمعنى العصارة الخالصة لكل شيء، والمراد منها هنا نطفة الإنسان التي تعتبر عصارة كل وجوده، ومبدأ حياة وتولد الذرية واستمرار النسل.
«مهين»: التي تعني الضعيف إشارة إلى وضعه الظاهري، وإلّا فإنّه من أعمق أسرار الموجودات.
وتشير
الآية التالية
إلى مراحل تكامل الإنسان المعقّدة في عالم الرحم، وكذلك المراحل التي طواها آدم عند خلقه من التراب، فتقول: «ثُمَّ سَوَّيهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصرَ وَالْأَفِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ».
«سوّيه»: من التسوية، أي الإكمال، وهذه إشارة إلى مجموع المراحل التي يطويها الإنسان من حال كونه نطفة إلى المرحلة التي تتّضح فيها جميع أعضاء بدنه، وكذلك المراحل التي طواها آدم بعد خلقه من التراب حتى نفخ الروح.
والتعبير ب «النفخ» كناية عن حلول الروح في بدن الإنسان، لأنّ النطفة عندما تنعقد في البداية ليس لها إلّانوعاً من «الحياة النباتية»، أي التغذية والنمو فقط، أمّا الحس والحركة التي هي علامة «الحياة الحيوانية»، وكذلك قوة الإدراكات التي هي علامة الحياة الإنسانية، فلا أثر عن كل ذلك.
إنّ تكامل النطفة في الرحم تصل إلى مرحلة تبدأ عندها بالحركة، وتحيا وتنبعث فيها القوى الإنسانية الاخرى تدريجياً، وهذه هي المرحلة التي يعبّر عنها القرآن بنفخ الروح.
أمّا إضافة «الروح» إلى «اللَّه» فهي «إضافة تشريفية»، أي إنّ روحاً ثمينة وشريفة بحيث