مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - ٤١ سورة فصلت
والبركات الآنفة الذكر، فتاهوا في عالم الأسباب. ولذلك نرى القرآن بعد هذا البيان يقول مباشرة: «لَاتَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ». إنّ هذه الآية تستدل على وجود الخالق الواحد عن طريق النظام الواحد الذي يتحكّم بالشمس والقمر والليل والنهار، وإنّ حاكميته تعالى على هذه الموجودات تعتبر دليلًا على وجوب عبادته.
فاللَّه تعالى يخاطبهم بعد ذلك بقوله: «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَايَسَمُونَ» [١].
فليس مهماً أن لا تسجد مجموعة من الجهلة والغافلين حيال جبروت اللَّه وذاته المقدسة الطاهرة، فهذا العالم الواسع مليء بالملائكة المقربين الذين يركعون ويسجدون ويسبحون له دائماً ولا يفترون أبداً.
ثم إنّ هؤلاء هم بحاجة إلى عبادة اللَّه ولا يحتاج تعالى لعبادتهم، لأنّ فخرهم وكمالهم لا يتمّ إلّافي ظل العبودية له سبحانه وتعالى.
نعود مرّة اخرى إلى آيات التوحيد التي تعتبر الأرضية للمعاد. يقول تعالى: «وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ».
ثم تنتقل الآية من قضية التوحيد المتمثلة هنا بالحياة التي ما زالت تحيطها الكثير من الأسرار والخفايا والغموض، إلى قضية المعاد، حيث يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَى».
نعم: «إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ».
فدلائل قدرته واضحة في كل مكان، فكيف نشكّك بالمعاد ونعتبره محالًا؟
«خاشعة»: من «الخشوع» وتعني في الأصل التضرّع والتواضع الملازم للأدب؛ واستخدام هذا التعبير بخصوص الأرض الميتة اليابسة، يعتبر نوعاً من الكناية.
«ربت»: من «ربو» على وزن (غلو) وتعني الزيادة والنمو، والربا مشتق من نفس هذه الكلمة، لأنّ المرابي يطلب دينه مع الزيادة.
«اهتزت»: من «هز» على وزن «حظ» وتعني التحريك الشديد.
[١] «يسأمون»: من كلمة «السئامة» وتعني التعب من الإستمرار في العمل أو في موضوع معيّن.