مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٥ - ٢٤ سورة الشورى
سبب النّزول
في تفسير القرطبي: قال خباب بن الأرت: أنّ الآية «وَلَوْ بَسَطَ ...» فينا نزلت، نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت.
التّفسير
ورد في آخر آية من الآيات السابقة من أنّ الخالق يستجيب دعوة المؤمنين، وفي أعقاب ذلك يطرح هذا السؤال: لماذا نرى البعض منهم فقراء، ولا ينالون ما يرغبونه مهما يدعون؟
تقول الآية: «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ وَلكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ».
وبهذا الترتيب فإنّ تقسيم الأرزاق يقوم على حساب دقيق من قبل الخالق تجاه عباده، وهذا يحدث بسبب: «إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ».
فهو يعلم بمقدار استيعاب أيّ شخص فيعطيه الرزق وفقاً لمصلحته، فلا يعطيه كثيراً ليطغى، ولا قليلًا فيعيش الضنك من الفقر.
صحيح أنّ الخالق ينزل الرزق بقدر حتى لا يطغي العباد، إلّاأنّه لا يمنعهم أو يحرمهم، لذا فإنّ
الآية التي بعدها
تقول: «وَهُوَ الَّذِى يُنَزّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ».
ولماذا لا يكون هذا: «وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ».
هذه الآية تتحدث عن آيات وعلائم التوحيد في نفس الوقت الذي تبيّن فيه نعمة ولطف الخالق، لأنّ نزول المطر يشتمل على نظام دقيق للغاية ومحسوب.
ولهذه المناسبة- أيضاً- فإنّ
الآية التي بعدها
تتحدث عن أهم آيات علم وقدرة الخالق، حيث تقول: «وَمِن ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِّن دَابَّةٍ».
وتقول الآية في نهايتها: «وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ».
والمقصود من جمع الأحياء الذي تذكره هذه الآية، فقد ذكر العديد من المفسّرين أنّه الجمع للحساب وجزاء الأعمال في القيامة.
ويحتمل في تفسير الآية أعلاه أنّ المقصود من (الجمع) الجانب المقابل ل
(بث)
، أي أنّ (بث) تشير إلى خلق أنواع الكائنات الحية باختلافها، ثم إذا شاء الخالق (جمعها) وأفناها.
فكما أنّ العديد من الأحياء- (على مدى التاريخ)- انتشرت بشكل عجيب، ثم انقرضت واختفت فيما بعد، كذلك جمعها وإبادتها يكون بيد الخالق.