مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - ٣٤ سورة سبأ
ثم تتابع الآيات هذا المعنى بصراحة أكثر. تقول: «وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلدُكُم بِالَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى».
ولكن ليس معنى هذا هو حثّ الإنسان على ترك السعي والدأب اللازم لإقامة الأود، بل المقصود هو التأكيد على أنّ امتلاك الإمكانات الاقتصادية والقوة البشرية الواسعة لا يمثّل أبداً أيّة قيمة معنوية للإنسان عند اللَّه.
ثم تتناول الآية موضوع المعيار الأصلي لتقييم الناس، وما يسبّب قربهم منه (على شكل استثناء منفصل) فتقول: «إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ».
وعليه فجميع المعايير تعود أصلًا إلى هذين الأمرين «الإيمان» و «العمل الصالح».
هنا يشطب القرآن وبصراحة قلّ نظيرها على كل الظنون المنحرفة والخرافات بخصوص عوامل القرب من اللَّه.
كلمة «ضعف» ليست بمعنى «مضاعفة الشيء مرتين» فقط، بل بمعنى «أضعاف مضاعفة لأكثر من مرتين»، وقد وردت في هذه الآية بهذا المعنى.
«غرفات»: جمع «غرفة» بمعنى الحجرات العلوية من البناء، والتي غالباً ما تكون إضاءتها أكثر وهواؤها أفضل، وبعيدة عن الآفات.
التعبير ب
«آمنون»
فيما يخصّ أهل الجنة، تعبير جامع يعكس حالة الطمأنينة الروحية والجسدية لهم من كافّة النواحي.
الآية التالية
تصف الفريق المقابل لهؤلاء، فتقول: أمّا هؤلاء الذين يسعون ويجتهدون لتسفيه آياتنا، لا يؤمنون ولا يتركون غيرهم يسيرون في طريق الإيمان، ويتوهّمون أنّهم يستطيعون الفرار من يد قدرتنا، هؤلاء يحضرون في عذاب أليم يوم القيامة «وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ».
هؤلاء هم الذين اعتمدوا على أموالهم وأولادهم وكثرة عددهم لتكذيب الأنبياء، وعملوا على إغواء عباد اللَّه.
«معاجزين»: كما ذهب بعض أرباب اللغة إلى أنّ معناه أنّ هؤلاء تصوروا أنّهم يستطيعون الفرار من دائرة قدرة اللَّه تعالى وجزائه وعقابه، إلّاأنّ هذا التوهّم باطل وسراب خادع.