مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - ٣٧ سورة صافَّات
ألم يحن الوقت الذي تتركون فيه هذه الخرافات والأوهام القبيحة والتافهة؟ «أَفَلَا تَذَكَّرُونَ». إذن أنّ هذا الكلام باطل من الأساس بحيث لو أنّ أي إنسان له ذرّة من عقل ودراية، ويتفكّر في الأمر جيّداً، لأدرك بطلان هذه المزاعم.
بعد إثبات بطلان إدّعاءاتهم الخرافية بدليل تجريبي وآخر عقلي، ننتقل إلى الدليل الثالث وهو الدليل النقلي، حيث يقول القرآن الكريم مخاطباً إيّاهم: لو كان ما تزعمونه صحيحاً لذكرته الكتب السابقة، فهل يوجد لديكم دليل واضح عليه، «أَمْ لَكُمْ سُلْطنٌ مُّبِينٌ».
وإذا كنتم صادقين في قولكم فأتوا بذلك الكتاب: «فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».
هذا القول يشبه بقيّة الأقوال التي يخاطب بها القرآن عبدة الأصنام: «وَجَعَلُوا الْمَلِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسَلُونَ* وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ* أَمْ ءَاتَيْنهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ» [١].
الآية اللاحقة
تطرّقت إلى خرافة اخرى من خرافات مشركي العرب، والتي تزعم بوجود نسبة بين اللَّه عزّ وجل والجن، فالآية هنا تخاطبهم بضمير الغائب، لأنّهم اناس تافهون، ولا تتوفّر فيهم الكفاءة واللياقة للردّ على زعمهم: «وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا».
والمراد من كلمة
(نسب)
كل أشكال الرابطة والعلاقة، حتى ولو لم يكن هناك أي صلة للقرابة فيها، وكما نعلم فإنّ مجموعة من المشركين العرب كانوا يعبدون الجن ويزعمون أنّها شركاء للَّه، ولهذا كانوا يقولون بوجود علاقة بينها وبين اللَّه. فالقرآن المجيد ينفي هذه المعتقدات الخرافية بشدة، ويقول: «وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ».
ونزّه اللَّه تعالى نفسه عمّا قاله اولئك الضالون في صفاته تعالى، قائلًا: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ». وإستثنى وصف عباده المخلصين (الذين وصفوه عن علم ومعرفة ودراية) حيث وصفوه بما يليق بذاته المقدّسة. قال تعالى: «إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ».
العباد الخالصون من كل أشكال الشرك وهوى النفس والجهل والضلال، والذين لا يصفون الباريء عزّ وجل إلّابما سمح لهم به.
[١] سورة الزّخرف/ ١٩- ٢١.