مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - ٣٣ سورة الأحزاب
يكون له هدوء نسبي في حياته الداخلية ليقوى على التفرغ لحل سيل المشاكل التي أحاطت به من كل جانب.
إنّ الإختلاف بين زوجات النبي، والمنافسة النسوية المعروفة بينهن، قد أثار في الوقت نفسه عاصفة من الإضطراب داخل بيت النبي ممّا شغل فكره وزاد في همّه.
هنا منح اللَّه سبحانه نبيّه إحدى الخصائص الاخرى، وأنهى هذه الحوادث والأخذ والعطاء في الجدل إلى الأبد، وأراح فكر النبي صلى الله عليه و آله من هذه الجهة، وهدأ خاطره وروعه، فقال سبحانه في هذه الآية: «تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ».
«ترجي»: من «الإرجاء»، أي: التأخير؛ و «تؤوي»، من «الإيواء» ويعني إستضافة شخص في بيتك.
ونعلم أنّ أحكام الإسلام في شأن الزوجات المتعددة تقضي بأن يقسّم الزوج أوقاته بينهن بصورة عادلة، ويعبّرون عن هذا الموضوع في الكتب الفقهية الإسلامية ب «حق القسْم».
فكانت إحدى مختصات النبي صلى الله عليه و آله هي سقوط رعاية حق القسم منه بحكم الآية أعلاه، وبسقوط هذا الواجب عنه فقد كان قادراً على أن يقسّم أوقاته كيف يشاء، غير أنّه صلى الله عليه و آله كان يراعي تحقيق العدالة ما أمكن رغم هذه الظروف.
ثم تضيف الآية: وعندما ترغب عن إحداهن وتعتزلها، ثم ترغب فيها فلا تثريب عليك: «وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ».
وبهذا فليس الخيار بيدك في البداية وحسب، بل إنّه بيدك حتى في الأثناء أيضاً، ولذلك يضيف سبحانه: «ذلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ».
وذلك أوّلًا: لأنّ هذا الحكم عام يشملهنّ جميعاً ولا يتفاوتن فيه، وثانياً: إنّ الحكم الذي يشرّع من جانب اللَّه سبحانه إنّما يشرّع لمصلحة مهمة. وبناءً على هذا فيجب الإذعان له برغبة ورضا.
وأخيراً ينهي المطلب بهذه الجملة: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا».
لا يستعجل في إنزال العقاب بالمذنبين.
أجل إنّ اللَّه يعلم بأي حكم قد رضيتم، وله أذعنتم بقلوبكم، وعن أي حكم لم ترضوا.
وهو سبحانه يعلم أيّاً من أزواجكم تحبّون أكثر، ومن منهن تحظى باهتمام أقل، ويعلم كيف تراعون حكمه وتنفّذوه مع هذا الإختلاف في الميول والرغبات.