مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠ - ٣٦ سورة يس
هذا الرجل الذي يذكر أغلب المفسرين أنّ اسمه «حبيب النجار»، وحينما بلغه بأنّ مركز المدينة مضطرب ويحتمل أن يقوم الناس بقتل هؤلاء الأنبياء، أسرع وأوصل نفسه إلى مركز المدينة ودافع عن الحق بما إستطاع؛ بل إنّه لم يدّخر وسعاً في ذلك.
التعبير ب
«رجل»
بصورة النكرة إشارة إلى أنّه كان فرداً عادياً، ليس له قدرة أو إمكانية متميّزة في المجتمع، لكي يأخذ المؤمنين في عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله درساً بأنّهم وإن كانوا قلّة في عصر صدر الإسلام، إلّاأنّ المسؤولية تبقى على عواتقهم، وأنّ السكوت غير جائز حتى للفرد الواحد.
والآن لننظر إلى هذا الرجل المجاهد، بأي منطق وبأي دليل خاطب أهل مدينته؟
فقد أشار أوّلًا إلى هذه القضية: «اتَّبِعُوا مَن لَايَسْئَلُكُمْ أَجْرًا». فتلك القضيّة بحدّ ذاتها الدليل الأوّل على صدق هؤلاء الرسل، فهم لا يكسبون من دعوتهم تلك أيّة منفعة مادية شخصية، ولا يريدون منكم مالًا ولا جاهاً ولا مقاماً، وحتى أنّهم لا يريدون منكم أن تشكروهم. والخلاصة: لا يريدون منكم أجراً ولا أي شيء آخر.
وهذا ما أكّدت عليه الآيات القرآنية مراراً فيما يخصّ الأنبياء العظام، كدليل على إخلاصهم وصفاء قلوبهم، وفي سورة الشعراء وحدها تكرّرت هذه الجملة خمس مرّات «وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجْرٍ».
ثم يضيف: إنّ هؤلاء الرسل كما يظهر من محتوى دعوتهم وكلامهم انّهم أشخاص مهتدون: «وَهُمْ مُّهْتَدُونَ».
ثم ينتقل إلى ذكر دليل آخر على التوحيد الذي يعتبر عماد دعوة هؤلاء الرسل، فيقول:
«وَمَا لِىَ لَاأَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِى».
فإنّ من هو أهل لأن يُعبد هو الخالق والمالك والوهّاب، وليس الأصنام التي لا تُضرّ ولا تنفع.
وبعد ذلك ينبّه إلى أنّ المرجع والمآل إلى اللَّه سبحانه فيقول: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ». أي: لا تتصوروا أنّ اللَّه له الأثر والفاعلية في حياتكم الدنيا فقط، بل إنّ مصيركم في العالم الآخر إليه أيضاً، فتوجّهوا إلى من يملك مصيركم في الدارين.
وفي ثالث استدلال له ينتقل إلى الحديث عن الأصنام وإثبات العبودية للَّهبنفي العبودية للأصنام، فيكمل قائلًا: «ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرّ لَّاتُغْنِ عَنّى شَفَاعَتُهُمْ شَيًا وَلَا يُنقِذُونِ».