مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - ٣٣ سورة الأحزاب
الثالثة كذلك ثم خرج وقد صدعها فسأله سلمان عما رأى من البرق فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الاولى، وأخبرني جبرئيل أنّ امّتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية القصور الحُمر من أرض الشام والروم، وأخبرني أنّ امّتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، وأخبرني أنّ امّتي ظاهرة عليها، فأبشروا»
فاستبشر والمسلمون.
وقال المنافقون: ألا تعجبون يعدكم الباطل ويخبركم أنّه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى وإنّها تُفتَح لكم، وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل اللَّه: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» [١].
ثم تتطرق
الآية الاخرى
إلى بيان حال طائفة اخرى من هؤلاء المنافقين مرضى القلوب، والذين كانوا أخبث وأفسق من الباقين، فمن جانب تقول الآية عنهم: واذكر إذ قالت مجموعة منهم للأنصار: يا أهل المدينة (يثرب) ليس لكم في هذا المكان موقع فلا تتوقفوا هنا وارجعوا إلى بيوتكم: «وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا».
وبذلك كانوا يريدون أن يعزلوا الأنصار عن جيش الإسلام.
ومن جانب آخر: «وَيَسْتْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا».
«عورة»: مأخوذة من مادة «عار»، وتقال للشيء الذي يوجب ظهوره العار، وتقال أيضاً للشقوق والثقوب التي تظهر في اللباس أو جدران البيت، وكذلك للثغور الضعيفة والنقاط الحدودية التي يمكن اختراقها وتدميرها، وعلى ما يخافه الإنسان ويحذره، والمراد هنا البيوت التي ليس لها جدار مطمئن وباب محكم، ويخشى عليها من هجوم العدو.
و «يثرب»: هو الإسم القديم للمدينة قبل أن يهاجر إليها النبي صلى الله عليه و آله، وبعد هجرته أصبح إسمها تدريجياً «مدينة الرسول»، ومخفّفها المدينة.
وتشير
الآية التالية
إلى ضعف إيمان هذه الفئة، فتقول: إنّ هؤلاء بلغ بهم ضعف الإيمان إلى درجة أنّ جيش الكفر لو دخل المدينة من كل جانب وصوب، واستولى عليها، ثم دعاهم إلى الشرك والكفر فسوف يقبلون ذلك ويسارعون إليه: «وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سِلُوا الْفِتْنَةَ لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا».
[١] الكامل في التّاريخ لابن الأثير ٢/ ٧٠ (ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب).