مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - ٤٠ سورة غافر
من الضروري أن نشير أوّلًا إلى أنّ السورة التي بين أيدينا تحدّثت أكثر من مرّة عن «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ» جاء ذلك في الآيتين (٣٥) و (٥٦) وهذه الآية، ونستفيد من القرائن أنّ المقصود ب
«آيات اللَّه»
هيدلائل النبوّة وعلائمها على الأكثر، بالإضافة إلى ما تحويه الكتب السماوية، وطالما تتضمّن الكتب السماوية آيات التوحيد، والمسائل الخاصة بالمبدأ والمعاد، لذا فإنّ هذه القضايا مشمولة بجدال القوم وخصومتهم للحق.
وتنتهي الآية بتهديد من خلال قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ». أي سوف يعلمون نتيجة أعمالهم وعاقبة أعمالهم السيئة وذلك في وقت «إِذِ الْأَغْللُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلسِلُ يُسْحَبُونَ* فِى الْحَمِيمِ». أي يلقي بهم في الماء المغلي: «ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ» [١].
إضافة إلى هذا العذاب الجسماني سيعاقبون بمجموعة من أنواع العذاب الروحي والنفسي كما تشير إليه
الآية التالية
، حيث يقول تعالى: «ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ* مِن دُونِ اللَّهِ». أي: أين شركاؤكم من دون اللَّه كي ينقذوكم من هذا العذاب الأليم وأمواج النار المتلاطمة؟ ألم تقولوا: إنّكم تعبدونهم وتطيعونهم وتتخذونهم أرباباً ليشفعوا لكم، إذاً أين شفاعتهم الآن؟!
فيجيبون بخضوع يغشاهم وذلّ يعلوهم: «قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا». أي اختفوا وهلكوا وابيدوا بحيث لم يبق منهم أثر.
وعندما يرى هؤلاء أنّ اعترافهم بعبادة الأصنام أصبح عاراً عليهم وعلامةً تميّزهم، فإنّهم يبدأون بالإنكار فيقولون: «بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شَيًا».
لقد كانت الأصنام مجرّد أوهام، لكنّا كنّا نظن أنّها تمثل حقائق ثابتة، لكنّها أصبحت كالسراب الذي يتصوّره العطشان ماءً، أمّا اليوم فقد ثبت لنا أنّها لم تكن سوى أسماء من غير مسمى وألفاظ ليس لها معنى، وأنّ عبادتها لم تنفعنا بشيء سوى الضلال. لذلك فهؤلاء اليوم يواجهون الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره.
هناك احتمال آخر في تفسير الآية، هو أنّهم سيكذبون لينقذوا أنفسهم من الفضيحة، كما نقرأ ذلك في الآيتين (٢٣ و ٢٤) من سورة الأنعام: «ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبّنَا
[١] «الأغلال»: جمع «غل» وتعني الطوق حول العنق أو الرجل، وهي في الأصل مأخوذة من كلمة «غلل» على وزن «أجل» بمعنى الماء الذي يجري بين الأشجار.
«السلاسل»: جمع «سلسلة»؛ و «يسحبون» من كلمة «سحب» على وزن (سهو).