مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - ٣٨ سورة ص
وخطأ إبليس أنّ النار أشرف من التراب، ولا يحقّ لأحد أن يأمر مخلوقاً بالسجود لمخلوق آخر دنى منه.
ولكن أوّلًا: إنّ آدم لم يكن تراباً فقط، وإنّما نفخت فيه الروح الإلهية، وهذا هو سبب عظمته.
ثانياً: التراب ليس بأدنى من النار، وإنّما هو أفضل منها بكثير، لأنّ كل الحياة أصلها من التراب، فالنباتات وكل الموجودات الحية بأجمعها تستمدّ غذاءها ومصدر حياتها من التراب.
والنار إنّما يستفاد منها في الوسائل الترابية، وقد تكون أداة خطرة ومدمّرة.
ولو أمعنا النظر في أدلّة إبليس لرأينا فيها كفراً عجيباً، لأنّه بكلامه أراد نفي حكمة اللَّه، والتقليل من شأن أوامره (نعوذ باللَّه).
وهنا وجب إخراج هذا الموجود الخبيث من صفوف الملأ الأعلى وملائكة العالم العلوي، فخاطبه الباريء عزّ وجل بالقول: «قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ».
فهذا المكان مكان الطاهرين والمقربين، وليس بمكان المذنبين والعاصين ذوي القلوب المظلمة.
«رجيم»: من «رجم»، وبما أنّ لازمها الطرد، فقد وردت بهذا المعنى هنا.
ثم أضاف الباريء عزّ وجل: «وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدّينِ».
المهم أنّ الإنسان عندما يرى النتائج الوخيمة لأعماله السيّئة عليه أن يستيقظ من غفلته، وأن يفكّر في كيفية إصلاح ذلك الخطأ، ولا شيء أخطر من بقاءه راكباً لموج الغرور واللجاجة واستمراره في السير نحو حافّة الهاوية، لأنّه في كل لحظة يبتعد أكثر عن الصراط المستقيم، وهذا هو نفس المصير المشؤوم الذي وصل إليه إبليس.
وهنا تحوّل (الحسد) إلى (عداء)، كما قال القرآن: «قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ».
إنّه طلب من الباريء عزّ وجل أن يمهله إلى يوم يبعثون كي ينتقم من أبناء آدم عليه السلام ويدفعهم جميعاً إلى طريق الضلال.
وفي الحقيقة، إنّه كان يريد الإستمرار في إغواء بني آدم حتى آخر فرصة متاحة له، لأنّ في يوم البعث تسقط التكاليف عن الإنسان، ولا معنى هناك للوساوس والإغواءات، إضافةً إلى هذا فقد طلب من اللَّه عزّ وجل أن يبقيه حيّاً إلى يوم القيامة، رغم أنّ كل الموجودين في العالم يموتون في هذه الدنيا.