مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - ٣٢ سورة السجدة
الهدوء والظلام كل الأرجاء، ويقلّ خطر التلوّث بالرياء في العبادة. والخلاصة: عند توفّر أفضل الظروف لحضور القلب، فإنّهم يتّجهون بكل وجودهم إلى معبودهم، ويخبرونه بما في قلوبهم، فهم أحياء بذكره، وكؤوس قلوبهم طافحة بحبّه وعشقه.
ثم تضيف: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا».
وهنا تذكر الآية صفتين اخريين لهؤلاء هما: «الخوف» و «الرجاء»، فلا يأمنون غضب اللَّه عزّ وجل، ولا ييأسون من رحمته، والتوازن بين الخوف والرجاء هو ضمان تكاملهم وتوغّلهم في الطريق إلى اللَّه سبحانه، والحاكم على وجودهم دائماً، لأنّ غلبة الخوف تجرّ الإنسان إلى اليأس والقنوط، وغلبة الرجاء تغري الإنسان وتجعله في غفلة، وكلاهما عدوّ للإنسان في سيره التكاملي إلى اللَّه سبحانه. وثامن صفاتهم، وآخرها في الآية أنّهم: «وَمِمَّا رَزَقْنهُمْ يُنفِقُونَ».
فهم لا يهبون من أموالهم للمحتاجين وحسب، بل ومن علمهم وقوّتهم وقدرتهم ورأيهم الصائب وتجاربهم ورصيدهم الفكري، فيهبون منها ما يحتاج إليه الغير.
ثم تطرقت
الآية التالية
إلى الثواب العظيم للمؤمنين الحقيقيين الذين يتمتعون بالصفات المذكورة في الآيتين السابقتين، فتقول بتعبير جميل يحكي الأهمية الفائقة لثوابهم: «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
التعبير ب «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ» وكذلك التعبير ب «قُرَّةِ أَعْيُنٍ» مبيّن لعظمة هذه المواهب والعطايا التي لا عدّ لها ولا حصر.
وفي حديث- رواه البخاري ومسلم جميعاً- عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«إنّ اللَّه يقول: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وتبيّن
الآية التالية
المقارنة التي مرّت في الآيات السابقة بصيغة أكثر صراحة، فتقول:
«أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّايَسْتَوُونَ».
لقد جعل «الفاسق» في مقابل «المؤمن» في هذه الآية، وهذا دليل على أنّ للفسق مفهوماً واسعاً يشمل الكفر والذنوب الاخرى.
وتبيّن
الآية التالية
عدم المساواة هذه بصورة أوسع وأكثر تفصيلًا، فتقول: «أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى» [١]. ثم تضيف الآية بأنّ هذه الجنّات قد أعدّها اللَّه تعالى لاستقبالهم في مقابل أعمالهم الصالحة: «نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
إنّ التعبير ب
«نزلًا»
، والذي يقال عادةً للشيء الذي يهيّئونه لاستقبال وإكرام الضيف، إشارة لطيفة إلى أنّ المؤمنين يُستقبلون ويُخدمون دائماً.
[١] «المأوى»: من مادة «أوى» بمعنى إنضمام شيء إلى شيء آخر، ثم قيلت للمكان والمسكن والمستقرّ.