مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - ٣٣ سورة الأحزاب
لهذا الإبن، بل يمكنكم أن تخاطبوهم كإخوانكم في الدين أو أصدقائكم ومواليكم.
«الموالي»: جمع «مولى»، وقد ذكر المفسرون له معاني عديدة، فالبعض فسّره هنا بمعنى الصديق والصاحب، والبعض الآخر بمعنى الغلام المعتق والمحرّر. ولكن ربّما يدعو الشخص إنساناً لغير أبيه لاعتياده ذلك سابقاً، أو لسبق لسانه، أو لاشتباهه في تشخيص نسب الأفراد، وهذا خارج عن حدود اختيار الإنسان، فإنّ اللَّه العادل الحكيم لا يعاقب مثل هذا الإنسان، ولذا أردفت الآية: «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا».
إنّه تعالى يغفر لكم ما سبق، ويعفو عن السهو والنسيان والإشتباه.
ثم تتطرق
الآية التالية
إلى مسألة مهمة اخرى، أي إبطال نظام «المؤاخاة» بينهم.
وتوضيح ذلك: أنّ المسلمين لمّا هاجروا من مكة إلى المدينة وقطع الإسلام كل روابطهم وعلاقاتهم بأقاربهم وأقوامهم المشركين الذين كانوا في مكة تماماً، فقد أجرى النبي صلى الله عليه و آله بأمر اللَّه عقد المؤاخاة بينهم وعقد عهد المؤاخاة بين «المهاجرين» و «الأنصار»، وكان يرث أحدهم الآخر كالأخوين الحقيقيين، إلّاأنّ هذا الحكم كان مؤقّتاً وخاصّاً بحالة استثنائية جدّاً، فنزلت الآية أعلاه وألغت نظام المؤاخاة الذي كان يحلّ محلّ النسب، وجعل حكم الإرث وأمثاله مختّصاً باولي الأرحام الحقيقيين.
غاية ما في الأمر أنّ الآية قبل أن تذكر هذا الحكم ذكرت حكمين آخرين- أي كون النبي صلى الله عليه و آله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكون نساء النبي صلى الله عليه و آله كامهاتهم- كمقدمة، فقالت:
«النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ» [١]. «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» [٢].
ومع أنّ النبي صلى الله عليه و آله بمنزلة الأب، وأزواجه بمنزلة امهات المؤمنين إلّاأنّهم لا يرثون منهم
[١] إنّ النبي صلى الله عليه و آله أولى من كل إنسان مسلم في المسائل الاجتماعية والفردية، وكذلك في المسائل المتعلقة بالحكومة والقضاء والدعوة، وإنّ إرادته ورأيه مقدم على إرادة أي مسلم ورأيه، وهذا لأنّ النبي صلى الله عليه و آله معصوم ووكيل للَّهسبحانه، ولا يفكّر ويقرّر إلّافي صالح المجتمع والفرد.
[٢] وهي طبعاً امومة معنوية وروحية، كما أنّ النبي صلى الله عليه و آله أب روحي ومعنوي للُامة.
إنّ تأثير هذا الإرتباط المعنوي كان منحصراً في مسألة حفظ احترام أزواج النبي صلى الله عليه و آله وحرمة الزواج منهن، كما جاء الحكم الصريح بتحريم الزواج منهن بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله، أي إنّ المسلمين كان من حقهم أن يتزوجوا بنات النبي، في حين أنّ أيّ أحد لا يستطيع الزواج من ابنة امه، وكذلك مسألة كونهن أجنبيات، وعدم جواز النظر إليهن إلّاللمحارم.