مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - ٤١ سورة فصلت
إنّ الآية الكريمة هذه ترسم ثلاث صفات لذي القول الحسن هي: الدعوة إلى اللَّه، والعمل الصالح، والتسليم حيال الحق. بعد بيان الدعوة إلى اللَّه وأوصاف الدعاة إلى اللَّه، شرحت الآيات اسلوب الدعوة وطريقتها، فقال تعالى: «وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيّئَةُ».
في الوقت الذي لا يملك فيه أعداؤكم سوى سلاح الإفتراء والإستهزاء والسخرية والكلام البذيء وأنواع الضغوط والظلم؛ يجب أن يكون سلاحكم- أنتم الدعاة- التقوى والطهر وقول الحق واللين والرفق والمحبة.
وبالرغم من أنّ
(الحسنة)
و
(السيّئة)
تنطويان على مفهومين واسعين، إذ تشمل الحسنة كل إحسان وجميل وخير وبركة، والسيئة تشمل كل انحراف وقبح وعذاب، إلّاأنّ الآية تقصد ذلك الجانب المحدّد من السيّئة والحسنة، الذي يختص بأساليب الدعوة.
ثم تضيف الآية: «ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ».
إدفع الباطل بالحق، والجهل والخشونة بالحلم والمداراة، وقابل الإساءة بالإحسان، فلا ترد الإساءة بالإساءة، والقبح بالقبح، لأنّ هذا اسلوب من همّه الانتقام، ثم إنّ هذا الاسلوب يقود إلى عناد المنحرفين أكثر.
وتشير الآية في نهايتها إلى فلسفة وعمق هذا البرنامج في تعبير قصير، فتقول: إنّ هذا التعامل سيقود إلى: «فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ».
«ولي»: هنا بمعنى الصديق؛ و «حميم»: تعني في الأصل الماء الحار المغلي، ويقال للأصدقاء المخلصين والمحبين للشخص «حميم» والآية تقصد هذا المعنى.
إنّ هذا الاسلوب من التعامل مع المعارضين والأعداء ليس بالأمر العادي السهل، والوصول إليه يحتاج إلى بناء أخلاقي عميق، لذلك فإنّ
الآية التي بعدها
تبيّن الاسس الأخلاقية لمثل هذا التعامل في تعبير قصير ينطوي على معاني كبيرة، حيث يقول تعالى:
«وَمَا يُلَقهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا».
و كذلك: «وَمَا يُلَقهَا إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيمٍ».
إنّ هناك- بلا شك- موانع تحول دون الوصول إلى هذا الهدف العظيم، وإنّ وساوس الشيطان تمنع الإنسان من تحقيق ذلك بوسائل مختلفة، لذلك نرى
الآية الأخيرة
تخاطب الرسول صلى الله عليه و آله بوصفه الاسوة والقدوة فتقول له: «وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
«نزغ»: تعني الدخول في عملٍ ما لإفساده، ولهذا السبب يطلق على الوساوس