مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - ٤٣ سورة الزخرف
مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ».
وبهذا فقد عظّم فرعون القيم المبتدعة السيئة، وجعل المال والمقام والجاه هي معايير الإنسانية، كما هو الحال بالنسبة إلى عبدة الأصنام في عصر الجاهلية في موقفهم أمام نبي الخاتم صلى الله عليه و آله.
ثم يضيف: «أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ».
وبهذا يكون قد خص نفسه بافتخارين عظيمين- حكومة مصر، وملك النيل- وذكر لموسى نقطتي ضعف: الفقر ولكنة اللسان.
هذا في الوقت الذي لم يكن بموسى أيّة لكنة في اللسان، لأنّ اللَّه تعالى قد استجاب دعاءه، ورفع عنه عقدة لسانه، لأنّه سأل ربّه عند البعثة أن: «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى» [١].
ومن المسلّم أنّ دعاءه قد استجيب، والقرآن شاهد على ذلك أيضاً.
ثم تشبث فرعون بذريعتين أخريين، فقال: «فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلِكَةُ مُقْتَرِنِينَ».
إنّ الفراعنة كانوا يعتقدون أنّ الرؤساء يجب أن يزينوا أنفسهم بالأساور والقلائد الذهبية، ولذلك فإنّهم يتعجبون من موسى إذ لم يكن معه مثل آلات الزينة هذه، وهذا هو حال المجتمع الذي يكون معيار تقييم الشخصية في نظره الذهب والفضة وأدوات الزينة.
أمّا أنبياء اللَّه فإنّهم بطرحهم هذه المسائل- بالذات- جانباً كانوا يريدون أن يبطلوا هذه المقاييس الكاذبة، وأن يزرعوا محلّها القيم الإنسانية الأصيلة- أي العلم والتقوى والطهارة- لأنّ نظام القيم إذا لم يُصلح في مجتمع فسوف لن يرى ذلك المجتمع وجه السعادة أبداً.
وتشير
الآية التالية
إلى نكتة لطيفة، وهي: إنّ فرعون لم يكن غافلًا عن واقع الأمر تماماً، وكان ملتفتاً إلى أن لا قيمة لهذه القيم والمعايير، إلّاأنّه: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ».
إنّ طريقة كل الحكومات الجبارة الفاسدة من أجل الإستمرار في تحقيق أهدافها وأنانياتها، هي الإبقاء على الناس في مستوى متردٍ من الفكر والثقافة والوعي، وتسعى إلى تركهم حمقى لا يعون ما حولهم باستخدام أنواع الوسائل، لأنّ يقظتها ووعيها، وتنامي رشدها الفكري يشكل أعظم خطر على الحكومات، ويعتبر أكبر عدو للحكومات المستبدة.
والطريف أنّ الآية المذكورة تنتهي بجملة: «إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ» إشارة إلى أنّ
[١] سورة طه/ ٢٧.