مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - ٤٠ سورة غافر
إنّه المكان الخالي من المعوّقات الصعبة، متناسق في تشكيلته مع تكوين الإنسان الروحي والجسدي، حيث تتوفر في الأرض المصادر المختلفة للحياة والوسائل المتنوعة والمجانية التي يحتاجها لمعيشته.
ثم تضيف الآية: «وَالسَّمَاءَ بِنَاءً». أي كالسقف والقبة فوقكم.
والمقصود بالسماء هنا الغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض.
ثم ينتقل الحديث من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، فيقول تعالى: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ».
لقد ذهب بعض المفسرين في تفسير: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» إلى معنى أوسع من الصورة والشكل الظاهري والتكوين الداخلي، فقال: إنّ المعنى يتضمّن كل الإستعدادات والأذواق التي خلقها اللَّه في الإنسان وأودعها فيه، ففضّله بها على كثير ممن خلق.
وفي آخر الحديث عن سلسلة هذه العطايا والمواهب الإلهية، تتحدث الآية عن النعمة الرابعة، وهي الرزق الطيّب بقوله تعالى: «وَرَزَقَكُم مّنَ الطَّيّبَاتِ».
«الطيبات»
تشتمل على معنى وسيع جدّاً، وهي تشمل الجيّد من الطعام واللباس والزوجة والمسكن والدواب، وهي أيضاً تشمل الكلام والحديث الطيّب الزكي النافع.
بعد بيان هذه المجموعة الرباعية من النعم الإلهية، تعود الآية للقول: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [١].
الآية التي بعدها
تستمر في إثارة قضية توحيد العبودية من طريق آخر، فتؤكّد انحصار الحياة الواقعية باللَّه تعالى وتقول: «هُوَ الْحَىُّ».
إنّ حياته عين ذاته، ولا تحتاج إلى الغير. حياته (جلّ وتعالى) أبدية لا يطالها الموت، بينما جميع الكائنات الحية تتمتع بحياة مقرونة بالموت وحياتها محدودة وموقتة تسترفد هذه الحياة من الذات المقدسة.
لذلك ينبغي للإنسان الفاني المحدود المحتاج أن يرتبط في عبادته بالحي المطلق، من هنا تنتقل الآية مباشرة إلى تقرير معنى الوحدانية في العبودية من خلال قوله تعالى: «لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ».
[١] «ذلكم»: اسم إشارة للبعيد، واستخدامها في مثل هذه الموارد كناية على العظمة وعلوّ المقام.