مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٣ - ٣٧ سورة صافَّات
بعد إعتذاره تركوه وأسرعوا لتأدية مراسمهم، «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ».
إنّ أهل بابل كانوا يستقرئون النجوم، وبالطبع كانت هناك خرافات كثيرة في هذا المجال شائعة في أوساطهم، منها أنّهم كانوا يعتبرون النجوم تؤثّر على حظوظهم، وكانوا يطلبون منها الخير والبركة، كما كانوا يستدلّون بها على الحوادث المستقبلية.
ولكي يوهمهم إبراهيم عليه السلام بأنّه يقول بمثل قولهم، نظر إلى السماء وقال حينذاك: إنّي سقيم، فتركوه ظنّاً منهم أنّ نجمه يدلّ على سقمه.
ولكن روحه متعبة من جرّاء الممارسات التافهة لقومه وكفرهم وظلمهم وفسادهم، رغم أنّهم تصوّروا شيئاً آخر، واعتقدوا أنّه يعاني من أمراض جسدية.
وبهذه الطريقة بقي إبراهيم عليه السلام وحده في المدينة بعد أن تركها عبدة الأصنام متوجّهين إلى خارجها، فنظر إبراهيم حوله ونور الإشتياق لتحطيم الأصنام ظاهر في عينيه، إذ قربت اللحظات التي كان ينتظرها، وعليه أن يتحرّك لمحاربة الأصنام وإلحاق ضربة عنيفة بها، ضربة تهزّ العقول التافهة لعبدتها وتوقظهم.
فذهب إلى معبد الأصنام، ونظر إلى صحون وأواني الطعام المنتشرة في المعبد، ثم نظر إلى الأصنام وصاح بها مستهزئاً، ألا تأكلون من هذا الطعام الذي جلبه لكم عبدتكم، إنّه غذاء دسم ولذيذ ومتنوع، ما لكم لا تأكلون؟ «فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ» [١].
ثم أضاف: لِم لا تتكلّمون؟ لِم تعجز ألسنتكم عن النطق؟ «مَا لَكُمْ لَاتَنطِقُونَ».
بعد ذلك شمر عن ساعديه، فأمسك الفأس وانقضّ على تلك الأصنام بالضرب بكل ما لديه من قوّة: «فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ».
إنّ إنقضاض إبراهيم عليه السلام على الأصنام، حوّل معبد الأصنام المنظّم إلى خربة موحشة.
وفي آخر اليوم عاد عبدة الأصنام إلى مدينتهم، واتّجهوا فوراً إلى معبدهم، فشاهدوا مشهداً رهيباً وغامضاً.
ثم تحوّل جوّ السكوت الذي خيّم عليهم لحظة مشاهدة المشهد، تحوّل إلى صراخ وإستفسار عمّن فعل ذلك بآلهتهم؟
ولم يمرّ وقت طويل، حتى تذكّروا وجود شاب يعبد اللَّه في مدينتهم إسمه إبراهيم، كان يستهزىء بأصنامهم «فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ».
[١] «راغ»: من مادة «روغ» وتعني التوجّه والتمايل بشكل سرّي ومخفي أو بشكل مؤامرة وتخريب.