مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٦ - ٤٣ سورة الزخرف
التوحيد كلمة الأنبياء الخالدة: أشارت هذه الآيات إشارة موجزة إلى قصة إبراهيم، وما جرى له مع قوم بابل عبدة الأوثان، لتكمل بذلك بحث ذم التقليد، الذي ورد في الآيات السابقة، وذلك لأنّه:
أوّلًا: إنّ إبراهيم عليه السلام كان الجد الأكبر للعرب، وكانوا يعدونه محترماً ويقدّسونه، ويفتخرون بتأريخه، فإذا كان اعتقادهم وقولهم هذا حقّاً فيجب عليهم أن يتبعوه عندما مزّق حجب التقليد، وإذا كان سبيلهم تقليد الآباء، فلماذا يقلّدون عبدة الأوثان ولا يتّبعون إبراهيم عليه السلام.
ثانياً: إنّ عبدة الأصنام استندوا إلى هذا الاستدلال الواهي- وهو اتّباع الآباء- فلم يقبله إبراهيم منهم أبداً.
ثالثاً: إنّ هذه الآية نوع من التطييب لخاطر الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله والمسلمين الأوائل ليعلموا أنّ مثل هذه المخالفات والتوسّلات بالمعاذير والحجج الواهية كانت موجودة دائماً، فلا ينبغي أن يضعفوا أو ييأسوا.
تقول الآية الاولى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ».
ولمّا كان كثير من عبدة الأصنام يعبدون اللَّه أيضاً، فقد استثناه إبراهيم مباشرة فقال:
«إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ».
إنّه عليه السلام يذكر في هذه العبارة الوجيزة دليلًا على انحصار العبوديّة باللَّه تعالى، لأنّ المعبود هو الخالق والمدبر، وكان الجميع مقتنعين بأنّ الخالق هو اللَّه سبحانه، وكذلك أشار عليه السلام في هذه العبارة إلى مسألة هداية اللَّه التكوينية والتشريعية التي يوجبها قانون اللطف.
ولم يكن إبراهيم عليه السلام من أنصار أصل التوحيد، ومحاربة كل أشكال الشرك طوال حياته وحسب، بل إنّه بذل قصارى جهده من أجل ابقاء كلمة التوحيد في هذا العالم إلى الأبد، كما تبيّن ذلك
الآية التالية
، إذ تقول: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [١].
والطريف أنّ كل الأديان التي تتحدث عن التوحيد اليوم تستلهم دعوتها وأفكارها من تعليمات إبراهيم عليه السلام التوحيدية، وأنّ ثلاثة من أنبياء اللَّه العظام- وهم موسى وعيسى عليهما السلام
[١] «العقب»: في الأصل بمعنى كعب القدم، إلّاأنّ هذه الجملة استعملت فيما بعد في الأولاد وأولاد الأولاد بصورة واسعة.