مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - ٣٨ سورة ص
ثم يقسم اللَّه تعالى بالقرآن ذي الذكر والذي هو حقّاً معجزة إلهية: «وَالْقُرْءَانِ ذِى الذّكْرِ».
فالقرآن ذكر ويشتمل على الذكر، والذكر يعني التذكير وصقل القلوب من صدأ الغفلة، تذكّر اللَّه، وتذكّر نعمه، وتذكّر محكمته الكبرى يوم القيامة، وتذكّر هدف خلق الإنسان.
الآية التالية
تقول لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: إذا رأيت هؤلاء لا يستسلمون لآيات اللَّه الواضحة ولقرآنه المجيد، فاعلم أنّ سبب هذا لا يعود إلى أنّ هناك ستاراً يغطّي كلام الحق، وإنّما هم مبتلون بالتكبر والغرور اللذين يمنعان الكافرين من قبول الحق، كما أنّ عنادهم وعصيانهم- هما أيضاً- مانع يحول دون تقبّلهم لدعوتك: «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ».
«العزّة»: كما قال الراغب في مفرداته، هي حالة تحول دون هزيمة الإنسان (حالة الذي لا يقهر)، وتعطي معنيين، فأحياناً تعني (العزّة الممدوحة) المحترمة، كما في وصف ذات اللَّه الطاهر بالعزيز، وأحياناً تعني (العزّة بالإثم) أي الوقوف بوجه الحق والتكبر عن قبول الواقع، وهذه مذلّة في حقيقة الأمر.
«شقاق»: مشتقة من «شقّ»، ومعناه واضح، ثم استعمل في معنى المخالفة، لأنّ الإختلاف يسبّب في أن تقف كل مجموعة في شقّ، أي في جانب.
القرآن هنا يعدّ مسألة العجرفة والتكبر والغرور وطيّ طريق الإنفصال والتفرقة من أسباب تعاسة الكافرين.
ولإيقاظ اولئك المغرورين المغفّلين، يرجع بهم القرآن الكريم إلى ماضي تأريخ البشر، ليريهم مصير الامم المغرورة والمتكبّرة، كي يتّعظوا ويأخذوا العبر منها «كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ». أي: إنّ امماً كثيرة كانت قبلهم قد أهلكناها (بسبب تكذيبها الأنبياء، وإنكارها آيات اللَّه، وظلمها وإرتكابها للذنوب) وكانت تستغيث بصوت عال عند نزول العذاب عليها، ولكن ما الفائدة فقد تأخّر الوقت! ولم يبق أمامهم متّسع من الوقت لإنقاذ أنفسهم: «فَنَادَوا وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ».
فعندما كان أنبياء اللَّه في السابق يعظونهم ويحذّرونهم عواقب أعمالهم القبيحة، لم يكتفوا بصمّ آذانهم وعدم الإستماع، وإنّما كانوا يستهزئون ويسخرون من الأنبياء ويعذّبون المؤمنين ويقتلونهم، فبذلك أضاعوا الفرصة ودمّروا كل الجسور التي خلفهم، فنزل العذاب الإلهي ليهلكهم جميعاً، العذاب الذي رافقه إنغلاق باب التوبة والعودة، وفور نزوله تبدأ أصوات الإستغاثة تتعالى، والتي لا تغني عنهم يومئذ شيئاً.