مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - ٤٠ سورة غافر
إنّ عبارة
(العزيز)
و
(الغفار)
تشير من جانب إلى مبدأ (الخوف والرجاء) ومن جانب ثانٍ تشير إلى إلغاء الوهية الأصنام والفراعنة، حيث لا يملكون العزّة ولا العفو.
ينتقل الخطاب القرآني- على لسان مؤمن آل فرعون- إلى قوله تعالى: «لَاجَرَمَ أَنَمَّا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلَا فِى الْأَخِرَةِ».
إنّ هذه الموجودات لا تملك الحس والشعور، إنّها أصنام لا تتكلم ولا تضر ولا تنفع، وإنّ عليكم أن تعلموا: «وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ». فهو سبحانه وتعالى الذي أرسل رسله إلى الناس لأجل هدايتهم، وهو الذي يثيبهم ويعاقبهم على أعمالهم.
ويجب أن تعلموا أيضاً: «وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ».
وهكذا كشف مؤمن آل فرعون ما كان يخفي من إيمانه، وبذلك فقد انكشف هنا خطّه الإيماني التوحيدي، وانفصل علناً عن خط الشرك الملوّث.
في آخر كلامه- وبتهديد ذي مغزى- يقول لهم: «فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ».
إنّ ما قلته لكم ستذكرونه في الدنيا والآخرة، وستعلمون صدقي عندما تصيبكم المصائب، وينزل بساحتكم الغضب الإلهي، لكن سيكون ذلك كلّه بعد فوات الأوان، فإن كان في الآخرة فلا طريق للرجوع، وإن كان في الدنيا فهو لا يتمّ إلّاحين يحلّ بكم العذاب الإلهي، وعندها ستغلق جميع أبواب التوبة.
ثم تضيف الآية على لسان الرجل المؤمن: «وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ».
لهذا كلّه لا أخشى تهديداتكم.
اللَّه تبارك وتعالى لم يترك عبده المؤمن المجاهد وحيداً وإنّما: «فَوَقهُ اللَّهُ سَيَاتِ مَا مَكَرُوا».
أمّا القوم الظالمون فقد كان مصيرهم ما يرسمه لنا القرآن الكريم: «وَحَاقَ بَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ».
إنّ العذاب والعقاب الإلهي أليم بمجمله، إلّاأنّ تعبير
«سوء العذاب»
يظهر أنّ اللَّه تبارك وتعالى انتخب لهم عذاباً أشدّ إيلاماً من غيره، وهو ما تشير إليه
الآية التي بعدها
، حيث قوله تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا». ثم: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ».