مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ٣٨ سورة ص
فأسقطه من فرسه مضرّجاً بدمه خلال إحدى المعارك. أمّا من حيث قدرته السياسية، فقد كانت حكومته قويّة ومستعدّة دائماً لمواجهة الأعداء، بكل قوّة وإقتدار، حتى قيل أنّ الآلاف من جنده كانت تقف على أهبة الإستعداد من المساء حتى الصباح في أطراف محراب عبادته.
ومن حيث قدرته الأخلاقية والمعنوية والعبادية، فإنّه كان يقوم معظم الليل في عبادة اللَّه، ويصوم نصف أيّام السنة.
وأمّا من حيث النعم الإلهية، فقد أنعم عليه الباريء عزّ وجل بالكثير من النعم الظاهرية والباطنية.
خلاصة الحديث، إنّ داود كان رجلًا ذا قوّة وقدرة في الحروب والعبادات والعلم والمعرفة وفي السياسة، وكان أيضاً صاحب نعمة كبيرة [١].
فإنّ الآيات الآنفة بعد أن تطرّقت بصورة موجزة إلى نعم اللَّه على داود، تشرح أنواعاً من تلك النعم. قال تعالى: «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِالْعَشِىّ وَالْإِشْرَاقِ».
كذلك سخّرنا له مجاميع الطيور كي تسبّح اللَّه معه: «وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً».
فكل الطيور والجبال مسخّرة لداود ومطيعة لأوامره، وتسبّح معه الباريء عزّ وجل، وتعود إليه، «كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ».
إنّ تسبيحها كان توأماً مع صوت ظاهري، مرافقاً لنوع من الإدراك والشعور الذي هو في باطن ذرّات العالم، وطبقاً لهذا الإحتمال، فإنّ كل موجودات العالم تتمتّع بنوع من العقل والشعور، وحينما تسمع صوت مناجاة هذا النبي الكبير تردّد معه المناجاة، ليمتزج تسبيحها مع تسبيح داود عليه السلام.
وتواصل
الآية التالية
إستعراض نعم اللَّه على داود عليه السلام، قال تعالى: «وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ».
أي: ثبّتنا وأحكمنا مملكته، بحيث كان العصاة والطغاة من أعدائه يحسبون لمملكته ألف حساب لقوّتها.
وإضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة والعلم والمعرفة «وَءَاتَيْنهُ الْحِكْمَةَ».
(الحكمة)
هنا تعني العلم والمعرفة وحسن تدبير امور البلاد، أو مقام النبوّة، أو جميعها.
[١] «أيد»: جمع «يد»، وقد إستعملت هنا لكونها مظهر القوّة والنعمة والملك، وقد حملت كل هذه المعاني هنا.