مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٦ - ٣٨ سورة ص
إلّا أنّهما عمدا بسرعة إلى تطييب نفسه وإسكان روعه، وقالا له: لا تخف نحن متخاصمان تجاوز أحدنا على الآخر؛ «قَالُوا لَاتَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ».
فاحكم الآن بيننا ولا تتحيّز في حكمك وأرشدنا إلى الطريق الصحيح: «فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصّرَاطِ». «تشطط»: مشتقة من «شطط» على وزن (فقط)، وتعني البعيد جدّاً، ولكون الظلم والطغيان يبعدان الإنسان كثيراً عن الحقّ، فكلمة (شطط) تعني الإبتعاد عن الحق، كما تطلق على الكلام البعيد عن الحقيقة.
ولذلك تقدّم أحدهما وطرح المشكلة على داود، وقال: هذا أخي، يمتلك (٩٩) نعجة، وأنا لا أمتلك إلّانعجة واحدة، وإنّه يصرّ عليّ أن أعطيه نعجتي ليضمّها إلى بقية نعاجه، وقد شدّد عليّ في القول وأغلظ: «إِنَّ هذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ».
«النعجة»: هي الانثى من الضأن، وقد تطلق على انثى البقر الوحشي والخراف الجبلية.
«اكفلنيها»: مشتقة من «الكفالة»، وهي هنا كناية عن التخلي (ومعنى الجملة: إجعلها لي وفي ملكيتي وكفالتي، أي إمنحني إيّاها).
«عزّني»: مشتقة من «العزّة» وتعني التغلّب، وبذا يكون معنى الجملة إنّه تغلّب عليّ.
وهنا التفت داود عليه السلام إلى المدّعي قبل أن يستمع كلام الآخر (كما يوضّحه ظاهر الآية) وقال: من البديهي أنّه ظلمك بطلبه ضمّ نعجتك إلى نعاجه؛ «قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ».
وهذا الأمر ليس بجديد، إذ إنّ الكثير من الأصدقاء والمخالطين بعضهم لبعض يبغي على صاحبه، إلّاالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم قلّة: «وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ» [١].
فالأشخاص الذين يراعون بصورة كاملة في معاشرتهم وصداقتهم الطرف المقابل، ولا
[١] «خلطاء»: جمع «خليط» وتعني الأشخاص أو الأشياء المخلوطة بعضها مع بعض، كما تطلق على الصديق والشريك والجار، ورغم أنّ الظلم والإعتداء لم يختصّ بالخلطاء، إلّاأنّ ذكر هذه المجموعة بسبب وجود الإتّصالات المتكرّرة فيما بينهم، وإحتمال حدوث سوء تفاهم فيما بينهم، أو بسبب عدم توقّع حدوث أي ظلم وطغيان من قبل اولئك.