مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - ٣٨ سورة ص
وآخر نعمة إلهية انعمت على داود هي تمكّنه من القضاء والحكم بصورة صحيحة وعادلة «وَفَصْلَ الْخِطَابِ».
وهناك إحتمال آخر لتفسير هذه العبارة، وهو أنّ اللَّه سبحانه وتعالى أعطى داود منطقاً قويّاً يدلّل على سمو وعمق تفكيره، ولم يكن هذا خاصّاً بالقضاء وحسب، بل في كل أحاديثه.
٣٨/ ٢٥- ٢١ وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لَا تُشْطِطْ وَ اهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رَاكِعاً وَ أَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَ حُسْنَ مَآبٍ (٢٥) داود والإمتحان الكبير: تتمة للآيات السابقة التي إستعرضت الصفات الخاصة بداود والنعم الإلهية التي أنزلها الباريء عزّ وجل عليه، يبيّن القرآن المجيد أحداث قضية عرضت على داود. ففي البداية يخاطب القرآن المجيد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «وَهَلْ أَتَيكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ».
«الخصم»: تطلق على الطرفين المتنازعين.
«تسوّروا»: مشتقة من «سور» وهو الحائط العالي الذي يبنى حول البيت أو المدينة؛ وتعني هذه الكلمة في الأصل القفز أو الصعود إلى الأعلى.
فرغم أنّ داود عليه السلام كان محاطاً بأعداد كبيرة من الجند والحرس، إلّاأنّ طرفي النزاع تمكّنا- من طريق غير مألوف- تسوّر جدران المحراب، والظهور أمام داود عليه السلام فجأةً، ففزع عند رؤيتهما، إذ دخلا عليه بدون إستئذان ومن دون إعلام مسبق، وظنّ داود عليه السلام أنّهم يكنّون له السوء: «إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ».