مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - ٤٣ سورة الزخرف
إنّ المثل كان من جانب المشركين، وضرب فيما يتعلق بالأصنام، لأنّا نقرأ في الآيات التالية: «مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا». إنّ المشركين قالوا أنّ عيسى بن مريم قد كان معبوداً، فينبغي أن يكون في جهنم بحكم هذه الآية، وأي شيء أفضل من أن نكون نحن وأصنامنا مع عيسى؟! قالوا ذلك وضحكوا واستهزؤوا وسخروا.
ثم استمرّوا: «وَقَالُوا ءَأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ». فإذا كان من أصحاب الجحيم، فإنّ آلهتنا ليست بأفضل منه ولا أسمى.
ولكن، اعلم أنّ هؤلاء يعلمون الحقيقة، و «مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ».
بل: «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنهُ مَثَلًا لّبَنِى إِسْرَاءِيلَ».
لقد كان عيسى مقرّاً طوال حياته بالعبودية للَّه، ودعا الجميع إلى عبوديته سبحانه، ولمّا كان موجوداً في امته لم يسمح لأحد بالانحراف عن مسير التوحيد، ولكن المسيحيين أوجدوا خرافة ألوهية المسيح، أو التثليث، بعده.
ولئلا يتوهموا أنّ اللَّه سبحانه محتاج لعبوديتهم، وأنّه يصر عليها، فإنّه تعالى يقول في الآية التالية: «وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ». ملائكة تخضع لأوامر اللَّه، ولا تعرف عملًا إلّاطاعته وعبادته.
والآية التالية
تشير إلى خصيصة اخرى من خصائص المسيح عليه السلام وتقول: إنّ عيسى سبب العلم بالساعة «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ». إمّا أنّ ولادته من غير أب دليل على قدرة اللَّه اللامتناهية، فتحل على ضوئها مسألة الحياة بعد الموت، أو من جهة نزول المسيح عليه السلام من السماء في آخر الزمان طبقاً لروايات عديدة، ونزوله هذا دليل على اقتراب قيام الساعة.
ثم تقول الآية بعد ذلك: إنّ قيام الساعة حتم، ووقوعها قريب: «فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا» لا من حيث الإعتقاد بها ولا من حيث الغفلة عنها.
«وَاتَّبِعُونَ هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ» وأي صراط أكثر استقامة من الذي يخبركم بالمستقبل الخطير الذي ينتظركم، ويحذركم منه، ويدلكم على طريق النجاة من أخطار يوم البعث؟!
إلّا أنّ الشيطان يريد أن يبقيكم في عالم الغفلة والإرتباط بها، فاحذروا: «وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطنُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ».
لقد أظهر عداءه لكم منذ اليوم الأوّل، مرّة عند وسوسته لأبيكم وأمكم- آدم وحواء-