مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - ٤٦ سورة الأحقاف
فأعداؤه شمروا عن سواعدهم للفتك به، حتى أنّ أقاربه وعشيرته كانوا في الخط الأوّل في هذه المجابهة.
لقد فرضوا عليه الحصار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بحيث أغلقوا جميع الأبواب والطرق بوجهه وبوجه أتباعه، حتى مات بعضهم جوعاً، وأقعد المرض بعضهم الآخر.
لقد مرّت على النبي صلى الله عليه و آله أيّام يصعب على القلم واللسان وصفها، فعندما جاء إلى الطائف ليدعو الناس إلى الإسلام، لم يكتفوا بعدم إجابة دعوته، بل رموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه.
لقد كانوا يحثّون الجهلاء من الناس على أن يصرخوا، ويسيؤوا في كلامهم إليه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، وقال:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدوّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي ...» [١].
كانوا يسمونه ساحراً تارة، واخرى يخاطبونه بالمجنون.
كانوا يلقون التراب والرماد على رأسه حيناً، وحيناً يجمعون على قتله، فيحاصرون بيته بالسيوف والرماح.
إلّا أنّه رغم كل تلك الظروف استمر في صبره وصموده واستقامته.
وأخيراً جنى الثمرة الطيبة لهذه الشجرة المباركة، فقد عمّ دينه شرق العالم وغربه، لا جزيرة العرب وحدها، ويدوّي اليوم صوت انتصاره صباح مساء في كل أرجاء الدنيا، وفي قارات العالم الخمسة، وهذا هو معنى: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ».
«نهاية تفسير سورة الأحقاف»
[١] سيرة النبي صلى الله عليه و آله، لابن هشام ٢/ ٢٨٥؛ تاريخ الطبري ٢/ ٨٠.