مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٠ - ٣٣ سورة الأحزاب
بعد الأمر الذي صدر في الآية السابقة للمؤمنات، تناولت هذه الآية بُعداً آخر لهذه المسألة، أي أساليب الأراذل والأوباش في مجال الإيذاء، فقالت: «لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكِ بِهِمْ ثُمَّ لَايُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا». «المرجفون»: من مادة «إرجاف»، وهي إشاعة الأباطيل بقصد ايذاء الآخرين وإحزانهم؛ و «نغرينّك» من مادة «الإغراء»، ويعني الدعوة إلى تنفيذ عمل، أو تعلّم شيء، دعوة تقترن بالترغيب والتحريض.
ويستفاد من سياق الآية أنّ ثلاث فئات في المدينة كانت مشتغلة بأعمال التخريب والهدم، وكل منها كان يحقّق أهدافه باسلوب خاصّ، فظهر ذلك كتيار ومخطّط جماعي، ولم تكن له صبغة فردية:
فالفئة الاولى: هم «المنافقون» الذين كانوا يسعون لإقتلاع جذور الإسلام عبر مؤامرتهم ضدّه.
و الثانية: هم «الأراذل» الذين يعبّر عنه القرآن: «الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ».
والفئة الثالثة: هم الذين كانوا يبثّون الإشاعات في المدينة، وخاصةً عندما كان النبي صلى الله عليه و آله وجيش المسلمين يتّجهون إلى الغزوات، لإضعاف معنوياتهم.
وعندما يطردون من هذه المدينة، ويخرجون عن حماية الحكومة الإسلامية، فإنّهم سيكونون «مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتّلُوا تَقْتِيلًا».
«ثقفوا»: من مادة «ثقف» و «ثقافة»، وهي: السيطرة على الشيء بدقّة ومهارة، وهذا التعبير إشارة إلى أنّهم سوف لا يجدون مكاناً آمناً بعد هذا الهجوم، بل سيبحث عنهم المؤمنون بدقة حتى يجدوهم ويرسلوهم إلى ديار الفناء.
ثم تضيف
الآية الأخيرة
من هذه الآيات أنّ هذا الأمر ليس جديداً، بل: «سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ» فكلما زادت صلافة المفسدين وتجاوزت مؤامراتهم الحدود، يصدر الأمر بالهجوم عليهم.
ولما كان هذا الحكم سنّة إلهية، فإنّه سوف لا يتغير ولا يتبدل أبداً، حيث إنّ سنّة اللَّه ثابتة «وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا».
إنّ هذا التعبير يجسّد كون هذا التهديد حقيقياً وجدياً، ليعلموا أنّ هذا المطلب والمصير