مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - ٣٩ سورة الزمر
خلقي، ولم تجعل إليّ من أمري ثم أخرجتني للذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تامّاً سويّاً».
وفي نهاية الآية، بعد ذكر الحلقات التوحيدية الثلاث الخاصة بخلق الإنسان والأنعام ومراحل خلق الجنين، يقول الباريء عزّ وجل: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ».
فأحياناً يصل الإنسان بعد مشاهدته لهذه الآثار التوحيدية العظيمة إلى مقام الشهود، ثم أشار تعالى إلى ذاته القدسية حيث يقول: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ».
عبارتي
«ربّكم»
و
«له الملك»
تدلان على حصر الربوبية بذاته الطاهرة المقدسة، والذي اتّضح بصورة جيّدة في عبارة: «لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ».
بعد ذكر هذه النعم الكبيرة التي منّ بها الباريء عزّ وجل على عباده، تتطرق
الآية التالية
إلى مسألة الشكر والكفر، وتناقش جوانب من هذه المسألة. في البداية تقول: «إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ». أي إن تكفروا أو تشكروا فإنّ نتائجه تعود عليكم، واللَّه غني عنكم في حال كفركم وشكركم.
ثم تضيف، إنّ غناه وعدم احتياجه لا يمنعان من أن تشكروا وتتجنبوا الكفر، لأنّ التكليف إنّما هو لطف ونعمة إلهية. قال تعالى: «وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ».
وبعد استعراض هاتين النقطتين تستعرض الآية نقطة ثالثة وهي تحمل الشخص مسؤولية أعماله، لأنّ قضية التكليف لا يكتمل معناها بدون هذا الأمر. قال تعالى: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى».
ولأنّه لا معنى للتكليف إن لم يكن هناك عقاب وثواب، فالآية تشير في المرحلة الرابعة إلى قضية المعاد، وتقول: «ثُمَّ إِلَى رَبّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
ولكون مسألة الحساب والعقاب لا يمكن أن تتمّ ما لم يكن هناك إطلاع وعلم كاملين بالأسرار الخفية للإنسان، تختتم الآية بالقول: «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ».
بهذا الشكل، ومن خلال جمل قصار، استعرضت فلسفة التكليف وخصوصياته ومسؤولية الإنسان ومسألة العقاب والثواب.