مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - ٣٣ سورة الأحزاب
فئة المعوّقين: أشارت هذه الآيات إلى وضع فئة اخرى من المنافقين الذين اعتزلوا حرب الأحزاب، وكانوا يدعون الآخرين أيضاً إلى اعتزال القتال، فقالت: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا».
«المعوّقين»: من مادة «عوق» على زنة (شوق) تعني منع الشيء ومحاولة صرف الآخرين عنه؛ و «البأس»: في الأصل يعني (الشدّة)، والمراد منه هنا الحرب.
وتضيف
الآية التالية:
إنّ الدافع لكل تلك العراقيل التي وضعوها أمامكم هو أنّهم بخلاء:
«أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ» [١]. لا في بذل الأرواح في ساحة الحرب، بل هم بخلاء حتى في المعونات الماديّة لتهيئة مستلزمات الحرب، وفي المعونة البدنية في حفر الخندق، بل ويبخلون حتى في المساعدة الفكرية، بخلًا يقترن بالحرص المتزايد يومياً.
وبعد تبيان بخل هؤلاء وامتناعهم عن أيّ نوع من المساعدة والإيثار، تتطرق الآية إلى بيان صفات اخرى لهم، والتي لها صفة العموم في كل المنافقين، وفي كل العصور والقرون، فتقول: «فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ».
فلأنّهم لما لم يذوقوا طعم الإيمان الحقيقي، ولم يستندوا إلى عماد قوي في الحياة، فإنّهم يفقدون السيطرة على أنفسهم تماماً عندما يواجهون حادثاً صعباً ومأزقاً حرجاً، وكأنّهم يواجهون الموت.
ثم تضيف الآية: «فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ». فيأتون إليكم كأنّهم هم الفاتحون الأصليون والمتحمّلون أعباء الحرب، فيعربدون ويطلبون سهمهم من الغنائم، وهم كانوا أبخل من الجميع في المشاركة في الحرب والثبات فيها.
«سلقوكم»: من مادة «سَلْق»، وهي في الأصل بمعنى فتح الشيء بعصبية وغضب، سواء كان هذا الفتح باليد أو اللسان، وهذا التعبير يستعمل في شأن من يطلب الشيء بالزجر واسلوب الأمر؛ و «الألسنة الحداد» تعني الألسنة الجارحة المؤذية، وهي هنا كناية عن الخشونة في الكلام.
وتشير الآية في النهاية إلى آخر صفة لهؤلاء، والتي هي أساس كل شقائهم وتعاستهم، فقالت: «أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أعْمَالَهُمْ». لأنّها لم تكن منبعثة عن الإخلاص والدافع الديني الإلهي: «وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا».
[١] «أشحّة»: جمع شحيح، من مادة (الشحّ)، أي البخل المقترن بالحرص.