مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٢ - ٣٦ سورة يس
القرآن الكريم يقول في هذا الخصوص: «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ».
فلسنا بحاجة إلى تلك الامور، لأنّ إشارة واحدة كانت كافية لتبديل عوامل حياتهم ومعيشتهم إلى عوامل موت وفناء.
ثم يضيف تعالى: «إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ».
فإنّها لم تكن سوى صيحة لم تتجاوز اللحظة الخاطفة في وقوعها، صيحة أسكتت جميع الصيحات، هزّة أوقفت كل شيء عن التحرك.
الآية الأخيرة
تتعرّض إلى طريقة جميع متمردي التاريخ إزاء الدعوات الإلهية لأنبياء اللَّه بلهجة جميلة تأسر القلوب فتقول: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مّن رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ».
هؤلاء الضالون المحرومون من السعادة لم يكتفوا بعدم الإستماع بآذان قلوبهم لنداء قادة البشرية العظام فقط، بل إنّهم أصرّوا على السخرية والإستهزاء منهم.
٣٦/ ٣٢- ٣١ أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) الغفلة الدائمة: تتحدث هاتان الآيتان- استناداً إلى ما مرّ في الآيات السابقة- عن الغفلة المستمرّة لمجموعة كبيرة من البشر في هذا العالم على مرّ العصور والقرون، فتقول الآية:
«أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مّنَ الْقُرُونِ».
فهؤلاء الكفار ليسوا بدعاً من الأمر، فقد كان قبلهم أقوام آخرون تمرّدوا على الحقّ مثلهم عاشوا في هذه الدنيا، ومصائرهم الأليمة التي ملأت صفحات التاريخ، فهل يكفي ذلك المقدار لتحقّق العبرة والاعتبار؟
في آخر الآية يضيف تعالى: «أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَايَرْجِعُونَ». أي: أنّ رجوعهم إلى هذه الدنيا لجبران مافاتهم وتبديل ذنوبهم حسنات، فلم يبق لهم سبيل للرجوع أبداً.
هذا التفسير يشبه بالضبط ما قاله علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة حينما تحدّث في أخذ العبرة من الموتى فقال:
«لا عن قبيح يستطيعون انتقالًا ولا في حسن يستطيعون ازدياداً».
وتضيف الآية التالية: «وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ». أي: أنّالمسألة لا تنتهي