مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦ - ٣٩ سورة الزمر
حيث تمّ فيه شرح قصص الطغاة والمتمردين الرهيبة، وعواقب الذنوب الوخيمة، ونصائح ومواعظ، وأسرار الخلق ونظامه، وأحكام وقوانين متينة، وبكلمة أنّه وضّح فيه كل ما هو ضروري لهداية الإنسان على شكل أمثال، لعلهم يتذكرون ويعودون من طريق الضلال إلى الصراط المستقيم: «لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ». ثم تتطرق الآية إلى وصف آخر للقرآن، إذ تقول: «قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ».
فإنّ الهدف من نزول القرآن الكريم- بكل هذه الصفات التي ذكرناها- هو: «لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».
ثم يستعرض القرآن المجيد أحد الأمثال التي ضربت ليرسم من خلاله مصير الموحّد والمشرك، وذلك ضمن إطار مثل ناطق وجميل، إذ يقول: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ» [١].
كل واحد منهم يأمره بتنفيذ أمر معيّن.
والأدهى من كل ذلك أنّه عندما يطلب من أحدهم توفير مستلزمات حياته، يرميه على الآخر، والآخر يرميه على الأوّل، وهكذا يبقى محروماً محتاجاً عاجزاً تائهاً. وفي مقابله هناك رجل سلم لرجل واحد «وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ».
فهذا الشخص خطه ومنهجه واضح، وولي أمره معلوم فلا تردد ولا حيرة ولا تضاد ولا تناقض، يعيش بروح هادئة ويخطو خطوات مطمئنة، فهل أنّ هذين الرجلين متساويان:
«هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا».
هذا المثال ينطبق على (المشرك) و (الموحّد) فالمشرك يعيش في وسط المتضادات والمتناقضات، وكل يوم يتعلق قلبه بمعبود جديد، أمّا الموحّدون فإنّهم يعشقون اللَّه وحده.
وفي نهاية الآية يقول تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».
ولكن أكثرهم لا يعلمون رغم وجود هذه الدلائل الساطعة، إذ إنّ حبّ الدنيا والشهوات الطاغية عليهم يجعلهم يضلون عن طريق الحقيقة: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْلَمُونَ».
وتتمة لبحث الآيات السابقة بشأن التوحيد والشرك، تتحدث
الآية التالية
عن نتائج
[١] «متشاكسون»: أصلها من «شكاسة» وتعني سوء الخلق والتنازع والاختصام، ولهذا يقال «متشاكس» لمن يتخاصم ويتنازع بعصبية وسوء خلق.