مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - ٣٩ سورة الزمر
الأرض، وعندما تنفذ إلى داخل هذه الطبقة تقف عند طبقة اخرى في الأرض ولا تتمكن من النفوذ خلالها، لتبعث مرّة اخرى إلى سطح الأرض بصورة عيون وقنوت وآبار. وتضيف الآية فيما بعد: «ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ» ذات الأشكال المختلفة.
أي: مختلف الأنواع كالحنطة والشعير والرز والذرة، ذات الأشكال المختلفة و الألوان الظاهرية المتعددة، فمنها الأخضر الغامق، والأخضر الفاتح، وبعضها ذو أوراق عريضة وكبيرة، والبعض الآخر ذو أوراق دقيقة وصغيرة.
ثم تنتقل الآية إلى مرحلة اخرى من مراحل حياة هذه النباتات، إذ تقول: «ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَيهُ مُصْفَرًّا» [١]. حيث تعصف به الرياح من كل جانب لتقلعه من مكانه بسبب ضعف سيقانه، ويضيف تعالى: «ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا».
نعم، إنّ في هذا لذكرى لأصحاب العقول وأهل العلم: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ».
هذا المشهد يذكّر الإنسان بالنظام الدقيق والعظيم الذي وضعه الباريء عزّ وجل لعالم الوجود، وإنّه تذكير بنهايةالحياة وانطفاء شعلتها، ومن ثم بمسألة البعث وعودة الأموات إلى الحياة.
وكتتمة لهذا الدرس الكبير في التوحيد والمعاد، تنتقل الآيات إلى المقارنة بين المؤمنين والكافرين، كي توضّح حقيقة أنّ القرآن والوحي السماوي هما كقطرات المطر التي تهطل على الأرض، وكما أنّ الأرض التي لها الإستعداد هي التي تستفيد من قطرات المطر، فكذلك القلوب المستعدة لبناء ذاتها بالاستعانة بلطف اللَّه، هي- فقط- التي تستفيد من آيات اللَّه، وذلك طبقاً لقوله تعالى: «أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُو لِلإِسْلمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مّن رَّبّهِ».
كمن هو قاسي القلب لا يهتدي بنور. «فَوَيْلٌ لّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مّن ذِكْرِ اللَّهِ».
أمّا القاسية قلوبهم، فهم الذين لا تؤثّر بهم المواعظ ولا الوعيد ولا البشرى، ولا الآيات القرآنية المؤثرة. نعم، «أُولئِكَ فِى ظَللٍ مُّبِينٍ».
ويقال للقلوب التي لا تظهر أيّ استجابة لنور الحق والهداية، ولا تسمح بنفوذ نور الحق والهداية إليها
(قلوب قاسية).
[١] «يهيج»: من مادة «هيجان» ولها معنيان في اللغة، الأوّل هو جفاف النبات واصفراره، والثاني هو التحركوالإنتفاض، ومن الممكن أو يعود المعنيان إلى أصل واحد، لأنّ النبات حينما يجفّ فإنّه يستعد للإنفصال والإنتشار والتحرك والهيجان.