مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١ - ٣١ سورة لقمان
ومن البديهي أنّ الخالق والمالك يكون مدبّراً لأمر العالم أيضاً.
ولذلك تقول الآية في النهاية: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ».
إنّه غنيّ على الإطلاق، وحميد من كل جهة، لأنّ كل موهبة في هذا العالم تعود إليه، وكل ما يملكه الإنسان فإنّه صادر منه وخزائن كل الخيرات بيده، وهذا دليل حي على غناه.
ولما كان «الحمد» بمعنى الثناء على العمل الحسن الذي يصدر عن المرء باختياره، وكل حسن نراه في هذا العالم فهو من اللَّه سبحانه، فإنّ كل حمد وثناء منه.
ثم تجسّد
الآية التالية
علم اللَّه اللامحدود من خلال ذكر مثال بليغ جدّاً فيقول: «وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
«يمدّه»: من مادة «المداد» وهي بمعنى الحبر أو المادة الملوّنة التي يكتبون بها، وهي في الأصل من «مدّ» بمعنى الخطّ، لأنّ الخطوط تظهر على صفحة الورق بواسطة جرّ القلم.
«الكلمات»: جمع «كلمة» وهي في الأصل الألفاظ التي يتحدث ويتكلم بها الإنسان، ثم اطلقت على معنى أوسع، وهو كل شيء يمكنه أن يبيّن المراد والمطلب، ولمّا كانت مخلوقات هذا العالم المختلفة يبيّن كل منها ذات اللَّه المقدسة وعظمته، فقد أطلق على كل موجود
(كلمة اللَّه)
، ثم استعملت كلمات اللَّه بمعنى علم اللَّه لهذه المناسبة.
بعد ذكر علم اللَّه اللامحدود، تتحدث
الآية الاخرى
عن قدرته اللامتناهية، فتقول: «مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ».
الآية التالية
تأكيد وبيان آخر لقدرة اللَّه الواسعة، وقد وجّهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه و آله فقالت: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» لخدمة الناس وتأمين احتياجاتهم «كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
«الولوج»: في الأصل بمعنى «الدخول»، ودخول الليل في النهار والنهار في الليل قد يكون إشارة إلى طول وقصر الليل والنهار التدريجي على مدار السنة، حيث ينقص شيء من أحدهما تدريجياً، ويضاف على الآخر بصورة غير محسوسة، لتتكوّن الفصول الأربعة للسنة بخصائصها وآثارها المباركة.
وجملة «كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى» إشارة إلى أنّ هذا النظام الدقيق لا يستمر إلى الأبد، بل إنّ له نهاية بانتهاء الدنيا.