مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - ٣١ سورة لقمان
والإستمساك بالعروة الوثقى تشبيه لطيف لهذه الحقيقة، وهي أنّ الإنسان يحتاج لنجاته من منحدر الماديّة والإرتقاء إلى أعلى قمم المعرفة والمعنويات وتسامي الروح، إلى واسطة ووسيلة محكمة مستقرّة ثابتة، وليست هذه الوسيلة إلّاالإيمان والعمل الصالح، وكل سبيل ومتّكأ غيرهما متهرّيء متخرّق هاوٍ وسبب للسقوط والموت، إضافة إلى أنّ ما يبقى هو هذه الوسيلة، وكل ماعداها فانٍ، ولذلك فإنّ الآية تقول في النهاية: «وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ».
في تفسير البرهان: من طريق العامة عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ستكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسّك بالعروة الوثقى. فقيل: يا رسول اللَّه، وما العروة الوثقى؟ قال: ولاية سيد الوصيين. قيل: يا رسول اللَّه، ومن سيد الوصيين؟ قال: أمير المؤمنين. قيل: يا رسول اللَّه ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي. قيل: يا رسول اللَّه، ومن مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب».
وقد رويت روايات اخرى في هذا الباب تؤيّد أنّ المراد من العروة الوثقى مودّة أهل البيت عليهم السلام، أو حبّ آل محمّد صلى الله عليه و آله، أو الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام.
وقد قلنا مراراً: إنّ هذه التفاسير بيان للمصاديق الواضحة، ولا تتنافي مع المصاديق الاخرى كالتوحيد والتقوى وأمثال ذلك.
ثم تطرقت
الآية التالية
إلى بيان حال الفئة الثانية، فقالت: «وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُو». لأنّك قد أدّيت واجبك على أحسن وجه، وهو الذي قد ظلم نفسه.
فلا تحزن أن تكفر جماعة من الناس، ويظلموا ويجوروا وهم متنعمون بالنعم الإلهية ولا يعاقبون، فلا عجلة في الأمر، إذ: «إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوا». فإنّنا مطّلعون على أسرارهم ونيّاتهم كاطّلاعنا على أعمالهم، ف: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ».
ثم يضيف بأنّ تمتّع هؤلاء بالحياة لا ينبغي أن يثير عجبك، لأنّا «نُمَتّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ» ذلك العذاب الأليم المستمر.
إنّ هذا التعبير لعله إشارة إلى أنّ هؤلاء لا يتصوروا أنّهم خارجون عن قبضة قدرة اللَّه سبحانه، بل إنّه يريد أن يمهل هؤلاء للفتنة وإتمام الحجة والأهداف الاخرى.