مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - ٣١ سورة لقمان
الأخلاقية والاجتماعية، ولأجل إكمال البحث، تتّجه الآيات إلى بيان نعم اللَّه تعالى لتبعث في الناس حسن الشكر ... الشكر الذي يكون منبعاً لمعرفة اللَّه وطاعة أوامره، فيوجّه الخطاب لكل البشر، فيقول: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ».
ثم تضيف الآية: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظهِرَةً وَبَاطِنَةً».
«أسبغ»: من مادة «سَبغ» وهي في الأصل بمعنى الثوب أو الدرع العريض الكامل، ثم اطلق على النعم الكثيرة الوفيرة أيضاً.
وتتحدث الآية في النهاية عمّن يكفر بالنعم الإلهية الكبيرة العظيمة، والتي تحيط الإنسان من كل جانب، ويهبّ إلى الجدال ومحاربة الحق، فتقول: «وَمِنَ الْنَّاسِ مَن يُجدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ». وبدل أن يعرف ويقدّر هبة وعطاء كل هذه النعم الظاهرة والباطنة، فإنّه يتّجه إلى الشرك والجحود نتيجة الجهل.
والملفت للنظر هو أنّ «العلم»: إشارة إلى الإدراكات التي يدركها الإنسان عن طريق عقله؛ و «الهدى»: إشارة إلى المعلمين والقادة الربانيين والسماويين، والعلماء الذين يأخذون بيده في هذا المسير ويوصلونه إلى الغاية والهدف؛ والمراد من «الكتاب المنير»: الكتب السماوية التي تملأ قلب الإنسان نوراً عن طريق الوحي.
إنّ هذه الجماعة العنيدة لا يمتلكون علماً، ولا يتّبعون مرشداً وهادياً، ولا يستلهمون من الوحي الإلهي، ولما كانت طرق الهداية منحصرة بهذه الامور الثلاثة فإنّ هؤلاء لما تركوها سقطوا في هاوية الضلال والضياع ووادي الشياطين.
وتشير
الآية التالية
إلى المنطق الضعيف السقيم لهذه الفئة، فتقول: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا». ولمّا لم يكن اتّباع الآباء الجهلة المنحرفين جزءاً من أيّ واحد من الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه للهداية، فإنّ القرآن ذكره بعنوان الطريق الشيطاني، وقال: «أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطنُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ».
ثم تطرّقت
الآية التالية
إلى بيان حال مجموعتين: المؤمنين الخلّص، والكفار الملوّثين، وتجعلهم مورد اهتمامها في المقارنة بينهم، فقالت: «وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى».