مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - ٣٦ سورة يس
ويستقبلون الموت في سبيل الهدف برحابة صدر. ولهذا فإنّ أمير المؤمنين حينما تلقّى الضربة السامّة من اللعين الخاسر «عبد الرحمن بن ملجم» لم يقل سوى
«فزت وربّ الكعبة».
خلاصة القول: فإنّ الإيمان بالمعاد يجعل من الإنسان الخائف الضائع، إنساناً شجاعاً شهماً هادفاً، تمتلىء حياته بالحماسة والتضحية والصدق والتقوى.
٣- الدلائل العقليّة على المعاد: فضلًا عن الدلائل النقلية الكثيرة على المعاد سواء الواردة في القرآن المجيد، والتي تشمل مئات الآيات بهذا الخصوص، فإنّ هناك أدلّة عقلية واضحة أيضاً على هذه المسألة، والتي نحاول ذكرها هنا بشكل مختصر:
أ) برهان الحكمة: إذا نظرنا إلى هذا العالم بدون العالم الآخر، فسيكون فارغاً وبلا معنى تماماً، كما لو افترضنا بوجود الحياة في الأطوار الجنينية بدون الحياة في هذه الدنيا.
فلو كان قانون الخلق يقضي بأنّ جميع المواليد الجدد يختنقون بمجرد نزولهم من بطون امّهاتهم ويموتون، فإنّ الدور الجنيني سيكون بلا معنى؟ كذلك لو كانت الحياة في هذا العالم مبتورة عن الحياة في العالم الآخر، فسنواجه نفس الاضطراب والحيرة، فما ضرورة أن نعيش سبعين عاماً أو أكثر أو أقل في هذه الدنيا وسط كل هذه المشكلات؟ فنبدأ الحياة ونحن لا نملك تجربة معيّنة، وحين بلوغ تلك المرتبة يهجم الموت وينتهي العمر ... نسعى مدة لتحصيل العلم والمعرفة، وحينما نبلغ درجة منه بعد إشتعال الرأس شيباً يستقبلنا الموت.
ثم لأجل ماذا نعيش؟ الأكل واللبس والنوم والإستيقاظ المتكرر يومياً، وإستمرار هذا البرنامج المتعب لعشرات السنين، لماذا؟
فهل حقّاً إنّ هذه السماء المترامية الأطراف وهذه الأرض الواسعة، وكل هذه المقدمات والمؤخّرات وكل هؤلاء الأساتذة والمعلمين والمربين وكل هذه المكتبات الضخمة وكل هذه الامور الدقيقة والأعمال التي تداخلت في خلقنا وخلق باقي الموجودات، كل ذلك لمجرّد الأكل والشرب واللبس والحياة المادية هذه؟
هنا يعترف الذين لا يعتقدون بالمعاد بتفاهة هذه الحياة، ويقدم بعضهم على الإنتحار للتخلّص من هذه الحياة الخاوية، بل قد يفتخر به.
وكيف يمكن لمن يؤمن باللَّه وبحكمته المتعالية أن يعتبر هذه الحياة الدنيا وحدها بدون إرتباطها بحياة اخرى ذات قيمة وذات شأن؟