مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - ٣٦ سورة يس
كل ذلك دليل على عذاب الضمير والوجدان.
وللإنسان أن يسأل نفسه: كيف يمكن أن يكون عالم صغير كعالم النفس له تلك المحكمة، ولا يكون لهذا العالم العظيم مثل هذا الوجدان وهذه المحكمة؟!
وبهذا الشكل يتّضح أنّ الإعتقاد بمسألة المعاد أمر فطري، ومن عدّة طرق:
من طريق العشق البشري العام للبقاء.
ومن طريق وجود ذلك الإعتقاد بالحياة بعد الموت على طول التاريخ البشري.
ومن طريق وجود النموذج المصغّر لها في داخل الإنسان.
٢- أثر الإعتقاد بالمعاد على حياة البشر: إنّ الإعتقاد بعالم ما بعد الموت وبقاء آثار الأعمال البشرية، وخلود الأعمال- سواء كانت خيراً أو شرّاً- يترك أثره العميق على فكر وأعصاب وجسد الإنسان، ويمكنه أن يكون عاملًا مؤثّراً في التشجيع على الأعمال الحسنة.
إنّ تأثير الإيمان بالحياة بعد الموت في إصلاح الأفراد الفاسدين والمنحرفين وتشجيع الأفراد المضحّين والمجاهدين، أكثر بكثير من تأثير المحاكم والعقوبات المعمول بها عادةً في الدنيا، للمزايا التي يتمتّع بها ذلك الإيمان عن المحاكم العادية، ففي محكمة المعاد لا وجود لإعادة النظر، ولا أثر للإضطهاد الفكري على صاحبها، ولا فائدة من إعطاء وثائق كاذبة ومزوّرة، ولا تستغرق- عبر روتينها- مدة من الزمن.
القرآن الكريم يقول: «وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّاتَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ» [١].
كذلك يقول تعالى: «وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ» [٢].
كذلك قوله تعالى: «لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ» [٣].
وإنّ حسابه تعالى سريع وحاسم كما ورد في الخبر:
«أنّه تعالى يحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر».
ولهذا السبب فقد اعتبر القرآن الكريم أنّ سبب الكثير من الذنوب هو نسيان يوم الجزاء،
[١] سورة البقرة/ ٤٨.
[٢] سورة يونس/ ٥٤.
[٣] سورة إبراهيم/ ٥١.