دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٨٨
٢٣٦.عيون أخبار الرضا عليه السلام عن الحسن بن الجهم : حَضَرتُ مَجلِسَ المَأمونِ يَوما وعِندَهُ عَلِيُّ ابنُ موسَى الرِّضا عليه السلام ، وقَدِ اجتَمَعَ الفُقَهاءُ وأهلُ الكَلامِ مِنَ الفِرَقِ المُختَلِفَةِ ، فَسَأَلَهُ بَعضُهُم ، فَقالَ لَهُ : يَابنَ رَسولِ اللّهِ ، بِأَيِّ شَيءٍ تَصِحُّ الإِمامَةُ لِمُدَّعيها ؟ قالَ : بِالنَصِّ وَالدَّليلِ . قالَ لَهُ : فَدَلالَةُ الإِمامِ فيما هِيَ ؟ قالَ : فِي العِلمِ وَاستِجابَةِ الدَّعوَةِ.[١]
٢٣٧.الكافي عن عبد العزيز بن مسلم : كُنّا مَعَ الرِّضا عليه السلام بِمَروَ ، فَاجتَمَعنا فِي الجامِعِ يَومَ الجُمُعَةِ في بَدءِ مَقدَمِنا ، فَأَداروا أمرَ الإِمامَةِ وذَكَروا كَثرَةَ اختِلافِ النّاسِ فيها ، فَدَخَلتُ عَلى سَيِّدي عليه السلام فَأَعلَمتُهُ خَوضَ النّاسِ فيهِ ، فَتَبَسَّمَ عليه السلام ثُمَّ قالَ : يا عَبدَ العَزيزِ ، جَهِلَ القومُ وخُدِعوا عَن آرائِهِم ، إنَّ اللّهَ عز و جل لَم يَقبِض نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله حَتّى أكمَلَ لَهُ الدّينَ ، وأنزَلَ عَلَيهِ القُرآنَ فيهِ تِبيانُ كُلِّ شَيءٍ ، بَيَّنَ فيهِ الحَلالَ وَالحَرامَ، وَالحُدودَ وَالأَحكامَ ، وجَميعَ ما يَحتاجُ إلَيهِ النّاسُ كَمَلاً ، فَقالَ عز و جل : «مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَىْ ءٍ» [٢] ، وأنزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ وهِيَ آخِرَ عُمُرِهِ صلى الله عليه و آله : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْاءِسْلَامَ دِينًا» [٣] . وأمرُ الإِمامَةِ مِن تَمامِ الدّينِ ، ولَم يَمضِ صلى الله عليه و آله حَتّى بَيَّنَ لِاُمَّتِهِ مَعالِمَ دينِهِم ، وأوضَحَ لَهُم سَبيلَهُم ، وتَرَكَهُم عَلى قَصدِ سَبيلِ الحَقِّ ، وأقامَ لَهُم عَلِيّا عليه السلام عَلَما وإماما ، وما تَرَكَ لَهُم شَيئا يَحتاجُ إلَيهِ الاُمَّةُ إلّا بَيَّنَهُ ، فَمَن زَعَم أنَّ اللّهَ عز و جل لَم يُكمِل دينَهُ فَقَد رَدَّ كِتابَ اللّهِ ، ومَن رَدَّ كِتابَ اللّهِ فَهُوَ كافِرٌ بِهِ . هَل يَعرِفونَ قَدرَ الإِمامَةِ وَمَحَلَّها مِنَ الاُمَّةِ فَيَجوزَ فيهَا اختِيارُهُم ؟ ! إنَّ الإِمامَةَ أجَلُّ قَدرا ، وأعظَمُ شَأنا ، وأعلى مَكانا ، وأمنَعُ جانِبا ، وأَبعَدُ غَورا مِن أن يَبلُغَهَا النّاسُ بِعُقولِهِم ، أو يَنالوها بِآرائِهِم ، أو يُقيموا إماما بِاختِيارِهِم . إنَّ الإِمامَةَ خَصَّ اللّهُ عز و جل بِها إبراهيمَ الخَليلَ عليه السلام بَعدَ النُّبُوَّةِ وَالخُلَّةِ مَرتَبَةً ثالِثَةً ، وفَضيلَةً شَرَّفَهُ بِها وأشادَ بِها ذِكرَهُ[٤] ، فَقالَ : «إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا» ، فَقالَ الخَليلُ عليه السلام سُرورا بِها : «وَ مِن ذُرِّيَّتِى» قالَ اللّهُ تَبارَكَ وتَعالى : «لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» [٥] ، فَأَبطَلَت هذِهِ الآيَةُ إمامَةَ كُلِّ ظالِمٍ إلى يَومِ القِيامَةِ وصارَت فِي الصَّفوَةِ ، ثُمَّ أكرَمَهُ اللّهُ تَعالى بِأَن جَعَلَها في ذُرِّيَّتِهِ أهلِ الصَّفوَةِ وَالطَّهارَةِ ، فَقالَ : «وَ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ نَافِلَةً وَ كُلاًّجَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَ إِقَامَ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَ كَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ» . [٦] فَلَم تَزَل في ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُها بَعضٌ عَن بَعضٍ ، قَرنا فَقَرنا ، حَتّى وَرَّثَهَا اللّهُ تَعالَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله ، فَقالَ جَلَّ وتَعالى : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ» [٧] ، فَكانَت لَهُ خاصَّةً ، فَقَلَّدَها صلى الله عليه و آله عَلِيّا عليه السلام بِأَمرِ اللّهِ تَعالى عَلى رَسمِ ما فَرَضَ اللّهُ ، فَصارَت في ذُرِّيَّتِهِ الأَصفِياءِ الَّذينَ آتاهُمُ اللّهُ العِلمَ وَالإيمانَ ، بِقَولِهِ تَعالى : «وَ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَ الْاءِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ» [٨] ، فَهِيَ في وُلدِ عَلِيٍّ عليه السلام خاصَّةً إلى يَومِ القِيامَةِ ؛ إذ لا نَبِيَّ بَعدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله . فَمِن أينَ يَختارُ هؤُلاءِ الجُهّالُ ؟! إنَّ الإِمامَةَ هِيَ مَنزِلَةُ الأَنبِياءِ ، وإرثُ الأَوصِياءِ، إنَّ الإِمامَةَ خِلافَةُ اللّهِ وخِلافَةُ الرَّسولِ صلى الله عليه و آله ، ومَقامُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ، وميراثُ الحَسَنِ وَالحُسَينِ عليهماالسلام ، إنَّ الإِمامَةَ زِمامُ الدّينِ ، ونِظامُ المُسلِمينَ ، وصَلاحُ الدُّنيا وعِزُّ المُؤمِنينَ ، إنَّ الإِمامَةَ اُسُّ الإِسلامِ النّامي ، وفَرعُهُ السّامي ، بِالإِمامِ تَمامُ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالصِّيامِ وَالحَجِّ وَالجِهادِ ، وتَوفيرِ الفَيءِ وَالصَّدَقاتِ ، وإمضاءِ الحُدودِ وَالأَحكامِ ، ومَنعِ الثُّغورِ وَالأَطرافِ . الإِمامُ يُحِلُّ حَلالَ اللّهِ ، ويُحَرِّمُ حَرامَ اللّهِ ، ويُق��مُ حُدودَ اللّهِ ، ويَذُبُّ عَن دينِ اللّهِ ، ويَدعو إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَالحُجَّةِ البالِغَةِ . الإِمامُ كَالشَّمسِ الطَّالِعَةِ المُجَلِّلَةِ بِنورِها لِلعالَمِ ، وهِيَ فِي الاُفُقِ بِحَيثُ لا تَنالُهَا الأَيدي وَالأَبصارُ . الإِمامُ البَدرُ المُنيرُ ، وَالسِّراجُ الزّاهِرُ ، وَالنّورُ السّاطِعُ ، وَالنَّجمُ الهادي في غَياهِبِ[٩] الدُّجى[١٠] ، وأجوازِ البُلدانِ وَالقِفارِ ، ولُجَجِ البِحارِ . الإِمامُ الماءُ العَذبُ عَلَى الظِّماءِ ، وَالدالُّ عَلَى الهُدى ، وَالمُنجي مِنَ الرَّدى . الإِمامُ النّارُ عَلَى اليَفاعِ[١١] ، الحارُّ لِمَنِ اصطَلَى بِهِ ، وَالدّليلُ فِي المَهالِكِ ، مَن فارَقَهُ فَهالِكٌ . الإِمامُ السَّحابُ الماطِرُ ، وَالغَيثُ الهاطِلُ[١٢] ، وَالشَّمسُ المُضيئَةُ ، وَالسَّماءُ الظَّليلَةُ ، وَالأَرضُ البَسيطَةُ ، وَالعَينُ الغَزيرَةُ ، وَ الغَديرُ وَالرَّوضَةُ . الإِمامُ الأَنيسُ الرَّفيقُ ، وَ الوالِدُ الشَّفيقُ ، وَالأَخُ الشَّقيقُ ، وَالاُمُّ البَرَّةُ بِالوَلَدِ الصَّغيرِ ، وَمَفزَعُ العِبادِ فِي الدَّاهِيَةِ[١٣] النَّآدِ[١٤] . الإِمامُ أمينُ اللّهِ في خَلقِهِ ، وحُجَّتُهُ عَلى عِبادِهِ ، وخَليفَتُهُ في بِلادِهِ ، وَالدّاعي إلَى اللّهِ ، وَالذّابُّ عَن حُرَمِ اللّهِ . الإِمامُ المُطَهَّرُ مِنَ الذُّنوبِ ، وَالمُبَرَّأُ عَنِ العُيوبِ ، المَخصوصُ بِالعِلمِ ، المَوسومُ بِالحِلمِ ، نِظامُ الدّينِ ، وعِزُّ المُسلِمينَ ، وغَيظُ المُنافِقينَ ، وبَوارُ الكافِرينَ . الإِمامُ واحِدُ دَهرِهِ ، لا يُدانيهِ أحَدٌ ، ولا يُعادِلُهُ عالِمٌ ، ولا يُوجَدُ مِنهُ بَدَلٌ ، ولا لَهُ مَثَلٌ ولا نَظيرٌ ، مَخصوصٌ بِالفَضلِ كُلِّهِ مِن غَيرِ طَلَبٍ مِنهُ لَهُ ولَا اكتِسابٍ ، بَلِ اختِصاصٌ مِنَ المُفضِلِ الوَهّابِ . فَمَن ذَا الَّذي يَبلُغُ مَعرِفَةَ الإِمامِ ، أو يُمكِنُهُ اختِيارُهُ ! هَيهاتَ هَيهاتَ ، ضَلَّتِ العُقولُ ، وتاهَت الحُلومُ[١٥] ، وحارَتِ الأَلبابُ[١٦] ، وخَسَأَتِ[١٧] العُيونُ ، وتَصاغَرَتِ العُظَماءُ ، وتَحَيَّرَتِ الحُكَماءُ ، وتَقاصَرَتِ الحُلَماءُ ، وحَصِرَتِ الخُطَباءُ ، وجَهِلَتِ الأَلِبّاءُ ، وكَلَّتِ الشُّعَراءُ ، وعَجَزَتِ الاُدَباءُ ، وعَيِيَتِ البُلَغاءُ ، عَن وَصفِ شَأنٍ مِن شَأنِهِ ، أو فَضيلَةٍ مِن فَضائِلِهِ ، وأَقَرَّت بِالعَجزِ وَالتَّقصيرِ . وكَيفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ ، أو يُنعَتُ بِكُنهِهِ ، أو يُفهَمُ شَيءٌ مِن أمرِهِ ، أو يُوجَدُ مَن يَقومُ مَقامَهُ ويُغني غِناهُ ؟ لا ، كَيفَ وأنّى ؟ وَهُوَ بِحَيثُ النَّجمُ مِن يَدِ المُتَناوِلينَ ووَصفِ الواصِفينَ ، فَأَينَ الاِختِيارُ مِن هذا ؟ وأَينَ العُقولُ عَن هذا ؟ وأَينَ يُوجَدُ مِثلُ هذا؟! أتَظُنّونَ أنَّ ذلِكَ يُوجَدُ في غَيرِ آلِ الرَّسولِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ؟ كَذَبَتهُم وَاللّهِ أنفُسُهُم ومَنَّتهُمُ الأَباطيلَ ، فَارتَقَوا مَرتَقىً صَعبا دَحضا[١٨] ، تَزِلُّ عَنهُ إلَى الحَضيضِ[١٩] أقدامُهُم . راموا إقامَةَ الإِمامِ بِعُقولٍ حائِرَةٍ بائِرَةٍ ناقِصَةٍ ، وآراءٍ مُضِلَّةٍ ، فَلَم يَزدادوا مِنهُ إلّا بُعدا «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» [٢٠] ، ولَقَد راموا صَعبا ، وقالوا إفكا ، وضَلّوا ضَلالاً بَعيدا ، ووَقَعوا فِي الحَيرَةِ ، إذ تَرَكُوا الإِمامَ عَن بَصيرَةٍ «وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ» . [٢١] رَغِبوا عَنِ اختِيارِ اللّهِ وَاختِيارِ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وأهلِ بَيتِهِ إلَى اختِيارِهِم ، وَالقُرآنُ يُناديهِم : «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَ يَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ تَعَالَى عَمَّايُشْرِكُونَ» [٢٢] ، وقالَ عز و جل : «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» [٢٣] الآيَةَ ، وقالَ : «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَاتَحْكُمُونَ* سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ* أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ» . [٢٤] وقالَ عز و جل : «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» [٢٥] ، أم «طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ» [٢٦] ، أم «قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأََّسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ» [٢٧] ، أم «قَالُواْ سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا» [٢٨] ، بَل هُوَ «فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . [٢٩] فَكَيفَ لَهُم بِاختِيارِ الإِمامِ ؟ ! وَالإِمامُ عالِمٌ لا يَجهَلُ ، وراعٍ لا يَنكُلُ[٣٠] ، مَعدِنُ القُدسِ وَالطَّهارَةِ ، وَالنُّسُكِ وَالزَّهادَةِ ، وَالعِلمِ وَالعِبادَةِ ، مَخصوصٌ بِدَعوَةِ الرَّسولِ صلى الله عليه و آله ، ونَسلُ المُطَهَّرَةِ البَتولِ ، لا مَغمَزَ فيهِ في نَسَبٍ ، وَلا يُدانيهِ ذو حَسَبٍ ، فِي البَيتِ مِن قُرَيشٍ ، وَالذِّروَةِ من هاشِمٍ ، وَالعِترَةِ مِن الرَّسولِ صلى الله عليه و آله ، وَالرِّضا مِنَ اللّهِ عز و جل ، شَرَفُ الأَشرافِ ، وَالفَرعُ مِن عَبدِ مَنافٍ ، نامِي العِلمِ ، كامِلِ الحِلمِ ، مُضطَلِعٌ بِالإِمامَةِ ، عالِمٌ بِالسِّياسَةِ ، مَفروضُ الطّاعَةِ ، قائِمٌ بِأَمرِ اللّهِ عز و جل ، ناصِحٌ لِعبادِ اللّهِ ، حافِظٌ لدِينِ اللّهِ . إنَّ الأَنبِياءَ وَالأَئِمَّةَ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِم يُوَفِّقُهُمُ اللّهُ ويُؤتيهِم مِن مَخزونِ عِلمِهِ وحُكمِهِ ما لا يُؤتيهِ غَيرَهُم ، فَيَكونُ عِلمُهُم فَوقَ عِلمِ أهلِ الزَّمانِ ، في قَولِهِ تَعالى : «أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَا يَهِدِّى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [٣١] ، وقَولِهِ تَبارَكَ وتَعالى : «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا» [٣٢] ، وقَولِهِ في طالوتَ : «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» [٣٣] ، وقالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه و آله : «وَ أَنزَلَ [اللَّهُ] [٣٤] عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»[٣٥] ، وقالَ فِي الأَئِمَّةِ مِن أهلِ بَيتِ نَبِيِّهِ وعِترَتِهِ وذُرِّيَّتِهِ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِم : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا» [٣٦] . وإنَّ العَبدَ إذَا اختارَهُ اللّهُ عز و جل لِاُمورِ عِبادِهِ ، شَرَحَ صَدرَهُ لِذلِكَ ، وأودَعَ قَلبَهُ يَنابيعَ الحِكمَةِ ، وألهَمَهُ العِلمَ إلهاما ، فَلَم يَعيَ[٣٧] بَعدَهُ بِجَوابٍ ، ولا يَحيرُ فيهِ عَنِ الصَّوابِ ، فَهُوَ مَعصومٌ مُؤَيَّدٌ ، مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ ، قَد أمِنَ مِنَ الخَطايا وَالزَّلَلِ وَالعِثارِ ، يَخُصُّهُ اللّهُ بِذلِكَ لِيَكونَ حُجَّتَهُ عَلى عِبادِهِ ، وشاهِدَهُ عَلى خَلقِهِ ، وذلِكَ فَضلُ اللّهِ يُؤتيهِ مَن يَشاءُ وَاللّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ . فَهَل يَقدِرونَ عَلى مِثلِ هذا فَيَختارونَهُ ؟ أو يَكونُ مُختارُهُم بِهذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمونَهُ ؟ تَعَدَّوا ـ وبَيتِ اللّهِ ـ الحَقَّ ، ونَبَذوا كِتابَ اللّهِ وَراءَ ظُهورِهِم كَأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ، وفي كِتابِ اللّهِ الهُدى وَالشِّفاءُ ، فَنَبَذوهُ واتَّبَعوا أهواءَهُم ، فَذَمَّهُمُ اللّهُ ومَقَتَهُم وأتعَسَهُم[٣٨] ، فَقالَ جَلَّ وتَعالى : «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [٣٩] ، وقالَ : «فَتَعْسًا لَّهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» [٤٠] ، وقالَ : «كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَ عِندَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» [٤١] ، وصَلَّى اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسليما كَثيرا .[٤٢]
[١] عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج ٢ ص ٢٠٠ ح ١ ، بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٣٤ ح ٦ . [٢] الأنعام : ٣٨ . [٣] المائدة : ٣ . [٤] أشاد به : إذا أشاعه ورفع ذكره (النهاية : ج ٢ ص ٥١٧ «شيد») . [٥] البقرة : ١٢٤ . [٦] الأنبياء : ٧٢ و ٧٣ . [٧] آل عمران : ٦٨ . [٨] الروم : ٥٦ . [٩] الغَيْهَبُ : الظُّلمة (الصحاح : ج ١ ص ١٩٦ «غهب») . [١٠] دجا اللّيل : إذا تمّت ظُلمته (النهاية : ج ٢ ص ١٠٢ «دجا») . [١١] اليفاعُ : ما ارتفع من الأرض (الصحاح : ج ٣ ص ١٣١٠ «يفع») . [١٢] الهَطْلُ : تتابع المطر وانسيابه (الصحاح : ج ٥ ص ١٨٥٠ «هطل»). [١٣] الداهية : النائبة والنازلة ، والجمع : الدواهي (المصباح المنير : ص ٢٠٢ «دهى») . [١٤] النّآدُ : الداهية ، وداهية نآد : نُعِتَ به الداهية (لسان العرب : ج ٣ ص ٤١٣ «نأد») . [١٥] الحِلْمُ : الأناة والعقلُ . . . وليس الحِلمُ في الحقيقة العقل ، لكن فسّروه بذلك لكونه من مسبّبات العقل (تاج العروس : ج ١٦ ص ١٦٧ «حلم») . [١٦] من المجاز : لُبُّ الرجل : ما جُعل في قلبه من العقل ؛ سمّي به لأنّه خلاصة الإنسان ، أو أنّه لا يُسَمّى ذلك إلّا خلُص من الهوى وشوائب الأوهام ، فعلى هذا هو أخصّ من العقل (تاج العروس : ج ٢ ص ٣٩٣ «لبب») . [١٧] خَسَأَ بَصَرُهُ : إذا كَلَّ وأعيا (لسان العرب : ج ١ ص ٦٥ «خسأ») . [١٨] الدّحْضُ : أي الزَّلَقُ (النهاية : ج ٢ ص ١٠٤ «دحض») . [١٩] الحَضيض : القرار من الأرض عند منقطَع الجبل (الصحاح : ج ٣ ص ١٠٧١ «حضض») . وهو هنا على نحو الاستعارة. [٢٠] التوبة : ٣٠ . [٢١] العنكبوت : ٣٨ . [٢٢] القصص : ٦٨ . [٢٣] الأحزاب : ٣٦ . [٢٤] القلم : ٣٦ ـ ٤١ . [٢٥] محمّد : ٢٤ . [٢٦] التوبة : ٨٧ . [٢٧] الأنفال : ٢١ ـ ٢٣ . [٢٨] البقرة : ٩٣ . [٢٩] الحديد : ٢١ . [٣٠] نَكَلَ عنه : نكَصَ وجَبُنَ . والنّاكل : الضعيف (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٦٠ «نكل») . [٣١] يونس : ٣٥ . [٣٢] البقرة : ٢٦٩ . [٣٣] البقرة : ٢٤٧ . [٣٤] ما بين المعقوفين سقط من المصدر . [٣٥] النساء : ١١٣ . [٣٦] النساء : ٥٤ و ٥٥ . [٣٧] عَيِيَ بالأمرِ وعن حُجّتِهِ يَعيا : عجز عنه (المصباح المنير : ص ٤٤١ «عيي») . [٣٨] التَعْسُ : الهَلاكُ (الصحاح : ج ٣ ص ٩١٠ «تعس») . [٣٩] القصص : ٥٠ . [٤٠] محمّد : ٨ . [٤١] غافر : ٣٥ . [٤٢] الكافي : ج ١ ص ١٩٨ ح ١ ، كمال الدين : ص ٦٧٥ ح ٣١ ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج ١ ص ٢١٦ ح ١ ، الاحتجاج : ج ٢ ص٤٣٩ ح ٣١٠ ، الغيبة للنعماني : ص ٢١٦ ح ٦ ، بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٢٠ ح ٤ .