دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٨٢
٢٣٥.الإمام الصادق عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ يَذكُرُ فيها حالَ الأَئِمَّةِ عليهم السلام وصِفاتِهِم ـ :إنَّ اللّهَ عز و جلأوضَحَ بِأَئِمَّةِ الهُدى مِن أهلِ بَيتِ نَبِيِّنا عَن دينِهِ ، وأَبلَجَ[١] بِهِم عَن سَبيلِ مِنهاجِهِ ، وفَتَحَ بِهِم عَن باطِنِ يَنابيعِ عِلمِهِ ، فَمَن عَرَفَ مِن اُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله واجِبَ حَقِّ إمامِهِ ، وَجَدَ طَعمَ حَلاوَةِ إيمانِهِ ، وعَلِمَ فَضلَ طَلاوَةِ إسلامِهِ ، لِأَنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَصَبَ الإِمامَ عَلَما لِخَلقِهِ ، وجَعَلَهُ حُجَّةً عَلى أهلِ مَوادِّهِ وعالَمِهِ[٢] ، وأَلبَسَهُ اللّهُ تاجَ الوَقارِ ، وغَشّاهُ مِن نورِ الجَبَّارِ ، يَمُدُّ بِسَببٍ إلَى السَّماءِ ، لا يَنقَطِعُ عَنهُ مَوادُّهُ ، ولا يُنالُ ما عِندَ اللّهِ إلّا بِجِهَةِ أسبابِهِ ، ولا يَقبَلُ اللّهُ أعمالَ العِبادِ إلّا بِمَعرِفَتِهِ ، فَهُوَ عالِمٌ بِما يَرِدُ عَلَيهِ مِن مُلتَبِساتِ الدُّجى ، ومُعَمَّياتِ السُّنَنِ ، ومُشَبِّهاتِ الفِتَنِ . فَلَم يَزَلِ اللّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَختارُهُم لِخَلقِهِ مِن وُلدِ الحُسَينِ عليه السلام مِن عَقِبِ كُلِّ إمامٍ ، يَصطَفيهِم لِذلِكَ ويَجتَبيهِم ، ويَرضى بِهِم لِخَلقِهِ ويَرتَضيهِم ، كُلَّما مَضى مِنهُم إمامٌ نَصَبَ لِخَلقِهِ مِن عَقِبِهِ إماما ، عَلَما بَيِّنا ، وهادِيا نَيِّرا ، وإماما قَيِّما ، وحُجَّةً عالِما ، أئِمَّةٌ مِنَ اللّهِ ، يَهدونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعدِلونَ ، حُجَجُ اللّهِ ودُعاتُهُ ورُعاتُهُ عَلى خَلقِهِ ، يَدينُ بِهَديِهِمُ العِبادُ ، وتَستَهِلُّ بِنورِهِمُ البِلادُ ، ويَنمو بِبَرَكَتِهِمُ التِّلادُ[٣] ، جَعَلَهُمُ اللّهُ حَياةً لِلأَنامِ ، ومَصابيحَ لِلظَّلامِ ، ومَفاتيحَ لِلكَلامِ ، ودَعائِمَ لِلإِسلامِ ، جَرَت بِذلِكَ فيهِم مَقاديرُ اللّهِ عَلى مَحتومِها . فَالإِمامُ هُوَ المُنتَجَبُ المُرتَضى ، وَالهادِي المُنتَجى ، وَالقائِمُ المُرتَجى ، اصطَفاهُ اللّهُ بِذلِكَ وَاصطَنَعَهُ عَلى عَينِهِ فِي الذَّرِّ حينَ ذَرَأَهُ ، وفِي البَرِيَّةِ حينَ بَرَأَهُ ، ظِلّاً قَبلَ خَلقِ نَسَمةٍ عَن يَمينِ عَرشِهِ ، مَحبُوّا بِالحِكمَةِ في عِلمِ الغَيبِ عِندَهُ ، اختارَهُ بِعِلمِهِ ، وَانتَجَبَهُ لِطُهرِهِ ، بَقيَّةً مِن آدَمَ عليه السلام ، وخِيَرَةً مِن ذُرِّيَّةِ نوحٍ ، ومُصطَفىً مِن آلِ إبراهيمَ ، وسُلالَةً مِن إسماعيلَ ، وصَفوَةً مِن عِترَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله . لَم يَزَل مَرعِيّا بِعَينِ اللّهِ ، يَحفَظُهُ ويَكلَؤُهُ بِسِترِهِ ، مَطرودا عَنهُ حَبائِلُ إبليسَ وجُنودِهِ ، مَدفوعا عَنهُ وُقوبُ الغَواسِقِ[٤] ونُفوثُ[٥] كُلِّ فاسِقٍ ، مَصروفا عَنهُ قَوارِفُ[٦] السّوءِ ، مُبَرَّأً مِنَ العاهاتِ ، مَحجوبا عَنِ الآفاتِ ، مَعصوما مِنَ الزَّلّاتِ ، مَصونا عَنِ الفَواحِشِ كُلِّها ، مَعروفا بِالحِلمِ وَالبِرِّ في يَفاعِهِ[٧] ، مَنسوبا إلَى العَفافِ وَالعِلمِ وَالفَضلِ عِندَ انتِهائِهِ ، مُسنَدا إلَيهِ أمرُ والدِهِ ، صامِتا عَنِ المَنطِقِ في حَياتِهِ . فَإِذا انقَضَت مُدَّةُ والِدِهِ ، إلى أنِ انتَهَت بِهِ مَقاديرُ اللّهِ إلى مَشيئَتِهِ ، وجاءَتِ الإِرادَةُ مِنَ اللّهِ فيهِ إلى مَحَبَّتِهِ ، وبَلَغَ مُنتَهى مُدَّةِ والِدِهِ عليه السلام فَمَضى ، وصارَ أمرُ اللّهِ إلَيهِ مِن بَعدِهِ ، وقَلَّدَهُ دينَهُ ، وجَعَلَهُ الحُجَّةَ عَلى عِبادِهِ ، وقَيِّمَهُ في بِلادِهِ ، وأيَّدَهُ بِروحِهِ ، وآتاهُ عِلمَهُ ، وأنبَأَهُ فَصلَ بَيانِهِ ، وَاستَودَعَهُ سِرَّهُ ، وَانتَدَبَهُ لِعَظيمِ أمرِهِ ، وأنبَأَهُ فَضلَ بَيانِ عِلمِهِ ، ونَصَبَهُ عَلَما لِخَلقِهِ ، وجَعَلَهُ حُجَّةً عَلى أهلِ عالَمِهِ ، وضِياءً لِأَهلِ دينِهِ ، وَالقَيِّمَ عَلى عِبادِهِ ، رَضِيَ اللّهُ بِهِ إماما لَهُم ، استَودَعَهُ سِرَّهُ ، وَاستَحفَظَهُ عِلمَهُ ، وَاستَخبَأَهُ حِكمَتَهُ ، وَاستَرعاهُ لِدينِهِ ، وَانتَدَبَهُ لِعَظيمِ أمرِهِ ، وأحيا بِهِ مَناهِجَ سَبيلِهِ ، وفَرائِضَهُ وحُدودَهُ ، فَقامَ بِالعَدلِ عِندَ تَحَيُّرِ أهلِ الجَهلِ ،وَ تَحييرِ أهلِ الجَدَلِ ، بِالنّورِ السّاطِعِ ، وَالشِّفاءِ النّافِعِ ، بِالحَقِّ الأَبلَجِ ، وَالبَيانِ اللّائِحِ مِن كُلِّ مَخرَجٍ ، عَلى طَريقِ المَنهَجِ الَّذي مَضى عَلَيهِ الصّادِقونَ مِن آبائِهِ عليهم السلام ، فَلَيسَ يَجهَلُ حَقَّ هذَا العالِمِ إلّا شَقِيٌّ ، ولا يَجحَدُهُ إلَا غَوِيٌّ ، ولا يَصُدُّ عَنهُ إلّا جَرِيٌّ عَلَى اللّهِ جَلَّ وعَلا.[٨]
[١] بَلَجَ : أسفَرَ وأنارَ ، وأبلجَ كذلك (المصباح المنير : ص ٦٠ «بلج») . [٢] قال العلّامة المجلسي قدس سره : «على أهلِ موادّه» ؛ المادّة : الزيادة المتّصلة ، أي الذين يصل إليهم رزقه تعالى وتربيته أو هداياته وتوفيقاته الخاصّة ، والضمير للّه ، وكذا في «عالمه» بفتح اللام ، وهو معطوف على المواد أو على الأهل عطف تفسير أو عطف الأعمّ على الأخصّ (مرآة العقول : ج ٢ ص٤٠٠) . وفي الغيبة للنعمانيوبحار الأنوار : «على أهل طاعته» بدل «على أهل موادّه وعالمه» . [٣] التالد والتليد والتلاد : كلّ مال قديم (المصباح المنير : ص ٧٦ «تلد») . [٤] الغاسق إذا وقب : أي الليل إذا دخل وأقبل بظلامه (النهاية : ج ٥ ص ٢١٢ «وقب») . [٥] النَّفثُ بالفم : وهو شبيه بالنفخ ، وهو أقلّ من التفل (النهاية : ج ٥ ص ٨٨ «نفث») . [٦] قَرَفَ الذنب : إذا عمله (النهاية : ج ٤ ص ٤٥ «قرف») . [٧] أيفَعَ الغلاُم فهوَ يافِعٌ: إذا شارَفَ الاحتلام ولمّا يحتلِم. واليَفاع: اليافِع (اُنظر : النهاية : ج٥ ص٢٩٩ «يفع»). [٨] الكافي : ج ١ ص ٢٠٣ ح ٢ ، الغيبة للنعماني : ص ٢٢٤ ح ٧ نحوه وكلاهما عن إسحاق بن غالب ، بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٥٠ ح ٢٥ .