دانشنامه امام حسين عليه السلام بر پايه قرآن، حديث و تاریخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١١٠
٢٥٢٧.حياة الحيوان الكبرى : ثُمَّ قامَ بِالأَمرِ بَعدَهُ [أي بَعدَ يَزيدَ] ابنُهُ مُعاوِيَةُ ، وكانَ خَيرا مِن أبيهِ ، فيهِ دينٌ وعَقلٌ ، بويِعَ لَهُ بِالخِلافَةِ يَومَ مَوتِ أبيهِ ، فَأَقامَ فيها أربَعينَ يَوما ، وقيلَ أقامَ فيها خَمسَةَ أشهُرٍ وأيّاما ، وخَلَعَ نَفسَهُ . وذَكَرَ غَيرُ واحِدٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بنَ يَزيدَ لَمّا خَلَعَ نَفسَهُ صَعِدَ المِنبَرَ ، فَجَلَسَ طَويلاً ، ثُمَّ حَمِدَ اللّه َ وأثنى عَلَيهِ بِأَبلَغِ ما يَكونُ مِنَ الحَمدِ وَالثَّناءِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله بِأَحسَنِ ما يُذكَرُ بِهِ ، ثُمَّ قالَ : يا أيُّهَا النّاسُ ! ما أنَا بِالرّاغِبِ فِي الاِئتِمارِ عَلَيكُم لِعَظيمِ ما أكرَهُهُ مِنكُم ، وإنّي لَأَعلَمُ أنَّكُم تَكرَهونَنا أيضا ؛ لِأَنّا بُلينا بِكُم وبُليتُم بِنا ، ألا إنَّ جَدّي مُعاوِيَةَ قَد نازَعَ في هذَا الْأَمرِ مَن كانَ أولى بِهِ مِنهُ ومِن غَيرِهِ ، لِقَرابَتِهِ مِن رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ، وعِظَمِ فَضلِهِ وسابِقَتِهِ ، أعظَمُ المُهاجِرينَ قَدرا ، وأشجَعُهُم قَلبا ، وأكثَرُهُم عِلما ، وأوَّلُهُم إيمانا ، وأشرَفُهُم مَنزِلَةً ، وأقدَمُهُم صُحبَةً ، ابنُ عَمِّ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ، وصِهرُهُ وأخوهُ ، زَوَّجَهُ صلى الله عليه و آله ابنَتَهُ فاطِمَةَ ، وجَعَلَهُ لَها بَعلاً بِاختِيارِهِ لَها ، وجَعَلَها لَهُ زَوجَةً بِاختِيارِها لَهُ ، أبو سِبطَيهِ سَيِّدَي شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ ، وأفضَلِ هذِهِ الاُمَّةِ ، تَربِيَةِ الرَّسولِ ، وَابنَي فاطِمَةَ البَتولِ ، مِنَ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ ، فَرَكِبَ جَدّي مَعَهُ ما تَعلَمونَ ، ورَكِبتُم مَعَهُ ما لا تَجهَلونَ ، حَتّى انتَظَمَت لِجَدِّي الاُمورُ ، فَلَمّا جاءَهُ القَدَرُ المَحتومُ وَاختَرَمَتهُ [١] أيدِي المَنونِ ، بَقِيَ مُرتَهَنا بِعَمَلِهِ ، فَريدا في قَبرِهِ ، ووَجَدَ ما قَدَّمَت يَداهُ ، ورَأى ما ارتَكَبَهُ وَاعتَداهُ . ثُمَّ انتَقَلَتِ الخِلافَةُ إلى يَزيدَ أبي ، فَتَقَلَّدَ أمرَكُم لِهَوىً كانَ أبوهُ فيهِ ، ولَقَد كانَ أبي يَزيدُ ـ بِسوءِ فِعلِهِ وإسرافِهِ عَلى نَفسِهِ ـ غَيرَ خَليقٍ بِالخِلافَةِ عَلى اُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، فَرَكِبَ هَواهُ ، وَاستَحسَنَ خَطَأَهُ ، وأقدَمَ عَلى ما أقدَمَ مِن جُرأَتِهِ عَلَى اللّه ِ ، وبَغيِهِ عَلى مَنِ استَحَلَّ حُرمَتَهُ مِن أولادِ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ، فَقَلَّت مُدَّتُهُ ، وَانقَطَعَ أثَرُهُ ، وضاجَعَ عَمَلَهُ ، وصارَ حَليفَ حُفرَتِهِ ، رَهينَ خَطيئَتِهِ ، وبَقِيَت أوزارُهُ وتَبِعاتُهُ ، وحَصَلَ عَلى ما قَدَّمَ ، ونَدِمَ حَيثُ لا يَنفَعُهُ النَّدَمُ ، وشَغَلَنَا الحُزنُ لَهُ عَنِ الحُزنِ عَلَيهِ ، فَلَيتَ شِعري ماذا قالَ ، وماذا قيلَ لَهُ ؟ هَل عوقِبَ بِإِساءَتِهِ وجوزِيَ بِعَمِلِهِ ؟ وذلِكَ ظَنّي ، ثُمَّ اختَنَقَتهُ العِبرَةُ ، فَبَكى طَويلاً وعَلا نَحيبُهُ . ثُمَّ قالَ : وصِرتُ أنَا ثالِثَ القَومِ ، وَالسّاخِطُ عَلَيَّ أكثَرُ مِنَ الرّاضي ، وما كُنتُ لِأَتَحَمَّلَ آثامَكُم ، ولا يَرانِي اللّه ُ جَلَّت قُدرَتُهُ مُتَقَلِّدا أوزارَكُم ، وألقاهُ بِتَبِعاتِكُم ، فَشَأنُكُم أمرُكُم فَخُذوهُ ، ومَن رَضيتُم بِهِ عَلَيكُم فَوَلّوهُ ، فَلَقَد خَلَعتُ بَيعَتي مِن أعناقِكُم ... . وَاللّه ِ ، لَئِن كانَتِ الخِلافَةُ مَغنَما لَقَد نالَ أبي مِنها مَغرَما ومَأثَما ، ولَئِن كانَت سوءاً فَحَسبُهُ مِنها ما أصابَهُ . ثُمَّ نَزَلَ ، فَدَخَلَ عَلَيهِ أقارِبُهُ واُمُّهُ ، فَوَجَدوهُ يَبكي ، فَقالَت لَهُ اُمُّهُ : لَيتَكَ كُنتَ حَيضَةً ولَم أسمَع بِخَبَرِكَ ، فَقالَ : وَدِدتُ ـ وَاللّه ِ ـ ذلِكَ ، ثُمَّ قالَ : وَيلي إن لَم يَرحَمني رَبّي . ثُمَّ إنَّ بَني اُمَيَّةَ قالوا لِمُؤَدِّبِهِ عُمَرَ المَقصوصِ : أنتَ عَلَّمتَهُ هذا ولَقَّنتَهُ إيّاهُ ، وصَدَدتَهُ عَنِ الخِلافَةِ ، وزَيَّنتَ لَهُ حُبَّ عَلِيٍّ وأولادِهِ ، وحَمَلتَهُ عَلى ما وَسَمَنا [٢] بِهِ مِنَ الظُّلمِ ، وحَسَّنتَ لَهُ البِدَعَ ، حَتّى نَطَقَ بِما نَطَقَ ، وقالَ ما قالَ . فَقالَ : وَاللّه ِ ، ما فَعَلتُهُ ، ولكِنَّهُ مَجبولٌ ومَطبوعٌ عَلى حُبِّ عَلِيٍّ عليه السلام ، فَلَم يَقبَلوا مِنهُ ذلِكَ ، وأخَذوهُ ودَفَنوهُ حَيّا حَتّى ماتَ . [٣]
[١] اخترمهم الدهر : أي اقتطعهم واستأصلهم (النهاية : ج ٢ ص ٢٧ «خرم») .[٢] يقال : وَسَمَهُ يَسِمُهُ : إذا أثَّرَ فيه بِكَيٍّ (النهاية : ج ٥ ص ١٨٦ «وسم»).[٣] حياة الحيوان الكبرى : ج ١ ص ٥٧ .